لا تضعوا كل بيضكم بسلّة أردوغان
لست من محبّي الانقلابات.. لكن اردوغان ليس هو النموذج الذي نحلم به للشعوب العربية.
ماذا عمل اردوغان للشعب التركي؟ اولا مهد الطريق للدواعش لتنفيذ اعمال همجية وتدميرية ضد الشعب السوري، لكن هذا لم يمنع الوحش الداعشي الذي تغاضت عنه تركيا ان ينفّذ ضربات همجية ضد الشعب التركي أيضا..
النظام العلماني (حركة اتاتورك) انقذ تركيا من نظام السلاطين المدمّر والمتخلّف وفتح أمامها آفاقا جديدة للتطور.. اليوم يقوم اردوغان بتصفية جهاز القضاء لأنه ببساطة يعتمد القانون الوضعي العلماني.
هل تركيا دولة متقدمة اليوم ام تعاني من إشكاليات اقتصادية بالغة الخطورة؟ ماذا تعرفون عن الاقتصاد التركي؟ هل تعرفون انه متخلّف عن الاقتصاد الأوروبي ومعدل الدخل للفرد الواحد من الناتج القومي الاجمالي لا يتعدّى الـ(11) ألف دولار. بينما اوروبا تجاوزت الخمسين والستين ألف دولار للفرد؟ هل نصفّق لنظام يتآمر مع اسرائيل ويعطيها المجال للتدرب الجوي لطائراتها في الاراضي التركية والتجسس على سوريا والعراق وايران؟ هل حليف الامبريالية الأمريكية التي لها قواعد عسكرية ومخازن اسلحة في تركيا (لمصلحة من قواعدها ومخازن اسلحتها؟) هو النموذج الذي نريده؟ ماذا مع اتفاقه مع اسرائيل وتحوّله الى شريك لها في سياستها الشرق-أوسطية؟ لماذا هاجم المشاركين في الرحلة البحرية الى غزة وتبرّأ عمليا منهم ليرضي نتنياهو؟ هل فكّ الحصار عن غزة، كما كان يتوعّد ويتبجّح قبل توقيع المصالحة المهينة مع اسرائيل؟ هل تظنون ان بعض المعلبات والأدوية التي تحملها باخرة تركية رست في ميناء اشدود لفحص محتوياتها، وليس في ميناء غزة هي الحل لحصار الشعب الفلسطيني في غزة؟ ما هو موقفه من إقامة وطن قومي للشعب الفلسطيني حتى نجنّ بالتصفيق له؟ هل استنكر مثلا الاعتداءات على الأقصى؟ لماذا غضب على السيسي بعد اسقاط محمد مرسي وماذا تعرفون عن مشروعه لإعادة الدولة العثمانية لتمدّ سيطرتها على سوريا والعراق ومصر وليبيا وتونس وغيرها من دول العرب بعد ان أغلقت اوروبا الباب امام انضمامه للسوق الأوروبية؟ هل تحويل العالم العربي الى سوق خلفية للبضائع التركية واقتصاد عربي هزيل تابع لتركيا هو الحل لتخلُّف العالم العربي؟
ما حدث ويحدث في تركيا يخصّني أيضا من منطلق انساني، لن أكون تركيا ولا أطمح لعودة تركيا الى التحكّم بشرقنا. تكفينا تجربة 400 سنة من التخلّف العثماني.
في مقال مثير نشرته إيكونوميست تحت عنوان "مأساة العرب" كتبتْ: "إنّ الحضارة التي قادت العالم مرةً ترزح في حالٍ من الخراب، ولا يمكن لأحدٍ إعادة بنائها غير أبنائها".
واضافتْ "تناوبتْ منذ ألف عام مدن بغداد ودمشق والقاهرة في تفوقها على العالم الغربي، حين اقترن الإسلام بالابتكار والإبداع، وكانت الخلافة العربية قوة عظمى ومنارة للثقافة والتسامح والتجارة. ولكن العرب اليوم يرزحون في حال من البؤس، وبينما تتقدم الدول في آسيا وأمريكا اللاتينية وأفريقيا يتراجع الشرق الأوسط بسبب الديكتاتوريات الحاكمة (الحكم المطلق الطاغي) ودوّامات الحرب".
هذا ما يلفت انتباهي ويقلقني... وليس بقاء اردوغان او عدم بقائه!!
طبعا واقع العالم العربي الذي تتحدث عنه الايكونوميست لم يأت بالصدفة، انما هو اسقاط حكم لم يقم بأي مشروع حضاري او تعليمي خلال سلطة استمرت 400 سنة بالقمع والنهب لثروات العالم العربي.
طبعا لا أتّهم اردوغان، لكني لا أرى ان تركيا واردوغان هما حلم حياتي. حلمي بوحدة عربية في اطار دولة موحدة تنقل العالم العربي والشعوب العربية من هامش الحضارة العالمية الى قلبها النابض. من خارج التاريخ الإنساني الى قلبه النابض. حلمي ان نستعيد عشرات آلاف العقول العربية التي هاجرت من اوطانها بحثا عن فرص عمل تلائم تحصيلها العلمي. هدفي ان يقوم نظام حكم عربي يفصل بين السلطات وليس انظمة عائلية قبلية لا يقلقها الا توريث السلطة.
بقاء اردوغان او ذهابه هي قضية الشعب التركي.. ولا أفهم انشغالنا باردوغان والتصفيق له الا من منطلق لا يمكن ان نبني عليه فكرا متنورا متحررا. الدور التركي كان وما يزال معاديا لحركة تطور القومية العربية، وقفوا ضدّ ثورة عبد الناصر، وضد انتفاضة الشعب المصري. ولعبت تركيا دورا تدميريا في سوريا، ومازالت تحرم سوريا من حصتها من مياه نهر الفرات ومازال لواء الاسكندرونة محتلا لتركيا، بل وشتت النظام التركي سكانه العرب واستبدلهم بسكان أتراك. هذه هي تركيا ولا فرق ان كان اسم الحاكم اردوغان او أي اسم آخر.
تعالوا أكشفْ لكم أساليب التعامل التركية في موضوع استراتيجي بالغ الأهمية وبالغ الخطر على سوريا والعراق: موضوع المياه.
نهر الفرات هو بمثابة الشريان التاجي لبلاد الشام والعراق، ينبع من تركيا، أي هو نهر دولي لا يمكن لدولة واحدة ان تتحكم به تماما كنهر النيل الذي ينبع من جنوب افريقيا وتحاول اثيوبيا بناء سدود تحرم مصر من كميات مياه تستحقها مما يشكل خطرا على مصر قد يقود الى حرب بين الدولتين.
رغم كل الاتفاقات الموقعة حول حصص المياه تقوم تركيا بنهب حصص المياه التي يحقّ لسوريا والعراق الاستفادة منها. في ندوة عقدتها قناة الجزيرة جاء انه طبقا للقانون الدولي فإن دجلة والفرات نهران دوليان وأن تركيا ملزمة باستشارة جيرانها قبل تنفيذ مشروعات على النهرين، فليس من حقّ تركيا أن تؤذي جيرانها.
في عام 1987 وقّع الرئيس التركي الراحل توكت أوزال مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد على اتفاقية فيما يتعلق بالفرات، تعهّدت بموجبها تركيا أن تترك لسوريا وللعراق حوالي 650 إلى 700 متر مكعب في الثانية ولكن تركيا منذ عام 1992 تتهرّب من هذا الكلام لأن علاقاتها كانت متوترة مع سوريا، والوضعُ اليوم أسوأ ويدفع الموطنون السوريون ثمنا باهظا نتيجة هذه السياسة المدمرة التي تنعكس بدمار كبير على الزراعة السورية خاصة.. من ناحية اخرى، نعرف ان تركيا فاوضت اسرائيل لتبيعها المياه وربما مازال هناك اتفاق قائم.. أي ستبيع تركيا حصص سوريا والعراق من المياه الى اسرائيل.. وهذا يجري بفترة اردوغان!!
المضحك انه حتى الآن تركيا لا تستطيع الانتفاع من المياه رغم أنها تخزنها وراء السدود المنجزة وتقدر الكمية بحوالي مائة مليار متر مكعب، بكلمات اخرى المياه هي ضمن الحرب التركية على سوريا والعراق.
كما قلت، الانقلاب لم يكن من اجل سوريا او العراق بل هو صراع تركي داخلي ومن المضحك والسخيف ان نقف مصفقين لاردوغان، دون ان نفهم الانعكاسات السلبية للنظام التركي، مع أردوغان او غيره على العالم العربي.
شيء من المنطق ضروري، لا نحب الانقلابات العسكرية التي دفعت وتدفع الشعوب العربية ثمنا رهيبا بسببها.
والأهم.. لا تسارعوا بوضع كل بيضكم في سلة اردوغان، التاريخية او المعاصرة!!