ملخص كتاب محظور عند العرب 4 و 5

توفيق أبو شومر قرأها 1,923

كتاب طبائع الاستبداد، ومصارع الفساد

ملخص كتاب محظور عند العرب 4 و 5 

يتحول المبدع، عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد، إلى عالم نفسٍ، وطبيبٍ بارعٍ، فيكتشف مرضا خطيرا ناتجا عن الاستبداد والقهر، مرضا، لا يصيبُ فردا، أو مجموعة، بل يُصيبُ الصحة العامة، فالاستبدادُ يُصيبُ الصحةَ النفسية للشعوب بعطَبٍ ومرضٍ خطير، ويتشظَّى إلى مجموعةً من الأمراض النفسية المجتمعية، يقول:

(يتولى الاستبدادُ المشؤوم تربيةَ الناس)

 وهكذا يصرف الاستبدادُ الناسَ عن تربية أبنائهم وفق المفاهيم الخلقية الراسخة، وتنحصر لذائذُهم في لذتين اثنتين فقط، هما:

لذة الأكل، حيث تتحول بطونهم إلى مقابر للحيوانات، أو لنفايات النباتات.

أما اللذة الثانية، فهي لذة الرعشة الجنسية.

وينشغلون باللذتين عن التربية الصحيحة السليمة.

 كما أن الآباء المُربّين يشعرون بعبث التربية الخلقية والثقافية الصحيحة، لأنهم إذا ربّوا أبناءَهم تربية صحيحة، فإنهم سيؤذون الأبناء، ويجنون عليهم، عندما يكبرون، لأنهم، أي الأبناء، سيجدون صعوبة في تطبيق مبادئ الأخلاق في عهد الاستبداد، لذلك فهم يتركونهم لتربية الشارع، فيبقون (هَمَلا جاهلين).

ومن الأمراض الناتجة عن الاستبداد أيضا، مرض إظهار المسكنة والذلّة، وإخفاء أثر النعمة والعلم، تجنُّبا للحسد، أو تقيةً لمخابرات السلطان المستبِد، التي تطارد الأغنياء، في ثرواتهم، والسعداء في سعادتهم.

ومن الأمراض النفسية الخطيرة للاستبداد، أن المستبَدَّ بهم ممّن لا يقوون على مواجهة المستبِدّ يختزنون كُرْهَ المستبِدّ في نفوسهم، مما يدفعهم إلى التنفيس عن رغباتهم الداخلية بصورة أخرى، فبدلا من مواجهة المستبدّ، فإنهم ينفسون غضبهم في وجه فئة مستضعفة أو غريبة بينهم، وينفسون عن غضبهم أيضا في نسائهم، الضعيفات، وهم عند الكواكبي كالكلاب الأهلية، التي تربط في النهار، وتُطلق في الليل لتصبح شرسة عقورا!

 يضع الكواكبي شروطا لثورة العوام على المستبِد، منها:

 وقوع مجزرة دموية، أو دخول المستبد في حرب نتيجتها الهزيمة، أو إهانة المستبد للعقيدة، أو فرض ضرائب ومكوس باهظة على العوام، أو انتهاك الأعراض، فهذه كلها محرِّضات على ثورة العوام على الاستبداد!

وليس منها بالطبع الرغبة في التحرر، أو إقامة حكم عادل!

وهو يستثيرُ هممَ الرعية ويحرّضهم على الاستبداد بصياغة تشبيهات تساوي بين الخانعين والبهائم الأهلية.

(الواقعون تحت الاستبداد هم دودٌ تحت صخرة)

ويعلن الكواكبي رأيه بصراحة ووضوح في الطغاة المستبدين ممن يتولون الحكم وفق وصفه السابق فيقول:

(لا يوثق بوعد من يتولى السلطة، أيا كان، ولا بعهده ويمينه، على مراعاة الدين والتقوى، والحق والشرف والعدالة، ومقتضيات المصلحة العامة)

ويكتشف أيضا مرضا جديدا للاستبداد، وهو مرض الكسل، وضعف الإنتاج، الناجم عن اعتياد رعية المستبِد الظلمَ والخوف والجبن، (فإنهم يألفون الكسل والهوان، ولا يسمعون دعوات النهوض والإصلاح).

 والكواكبي يشبه الأمم المستبدَّ بها كالبهائم الأهلية التي تموت إذا أُطلق سراحها، بعد أن اعتادت حياة الذل!

وأمثال هذه الأمة لا تسأل عن الحرية، ولا تعرف للاستقلال قيمة، كما أنها لا تسعى للانتقام من المستبد إلا نادرا، وإذا فعلت، فإنها تفعل ذلك، لا للانتقام من النظام الاستبدادي، بل تفعله انتقاما من شخص المستبِد، وقد تستعين بمستبِد آخر! وهكذا تستبدل عبوديتها السابقة بعبودية أخرى جديدة.

كما أن المستبَدَّ بهم إذا نالوا الحرية عرضا، فإنها تنقلب إلى فوضى، ويشبه الكواكبي هذه الحالة بحالة المريض حين ينتكس!

ويختم الكواكبي كتابه عارضا طرائق التخلُّص من الاستبداد منها:

أن تستعين الدول بالتثقيف والتوعية لتقبل الحرية المخطط لها، بعد أن تقوم بتنبيه حسِّ الأمة بمخاطر الاستبداد، وهو ينصح المستبَد بهم أن تكون ثورتُهم سرية على المستبِدّ، فيحذّرهم من المستبِدّ حين يشعر بالخطر فينكّل بالمجاهدين الثائرين.

 إنَّ أساس النهوض من كبوة الاستعباد عند الكواكبي هو (العلم) وهو يقصد بالطبع العلومَ النافعة التي عدَّدها سابقا.

وهو أيضا يحرّض الرعية على سحق الاستبداد وهزيمته باستخدام أسلوب التشبيه فيقول:

إن الرعية الأحرار يجب أن يكونوا كالخيل (إذا خُدمتْ خَدمت، وإذا ضُربتْ شرست) أو أن تكون صقورا، (لا تُلاعب، ولا يُستأثر عليها بالصيد كله).

*

نبوءة الكواكبي بالعولمة

ونماذج من أقواله

"سوف تصل الأمم إلى يوم يَقلُّ فيه التفاوتُ في العلم بين البشر، ويصبح البشرُ متساوين، فتنحلّ السلطةُ، ويعيش الناسُ بشرا، لا شعوبا ولا دولا"

وهو في المقتطف السابق قد وصف في سطور قليلة (عصر العولمة والألفية الثالثة).

إنَّ هذه النبوءة تشير إلى ثقافته، وسعة معارفه، النابعة من تجاربه الواسعة، وهذه مِيزة المبدعين، فهم لا يكتبون لأجيالهم المعاصرة، بل يكتبون للمستقبل.

إليكم نموذجا من خُطَبِهِ:

 (التربية والتعليم)

((يا قومُ، إنكم مبتلون بداء التبعية والتقليد، في كل فكرٍ وعمل، وبداءِ الحرص على كل عتيق، كأنكم خلقتم للماضي لا للحاضر، تشكون من حاضركم، وتسخطون عليه، أنتم مفتحةٌ عيونُكُمُ، ولكنكمُ نيامٌ، لكم أبصارٌ، ولكنكم لا تنظرون، لكم سمعٌ ولسانٌ، ولكنكم صمٌّ بكم، قاتل الله الغباوة.

فهل ترون أثرا للرُشد في أن يوكِل الإنسانُ عنه وكيلا، ويطلق له التصرفَ في ماله وأهله، والتحكم في حياته وشرفه، هل خلقَ اللهُ لكم عقولا لتفهموا بها كل شيء؟ أم لتهملوه كأنه لا شيء!

فإلى متى هذا التخادع والتخاذل؟

(يا قومُ هون الله مصابكم، تشكون الجهل، ولا تنفقون على التعليم نصف ما تصرفون على التدخين!)

يا قوم إن كانت المصائب غَلَّتْ أيديكم، حتى صغُرت نفوسُكم، فهلا أخبرتموني لماذا تحكِّمون فيكم الظالمين، حتى في الموت، أليس لكم من الخيار أن تموتوا كما تشاؤون، لا كما يشاء الظالمون؟

هل سلب الاستبدادُ إرادتكم حتى في الموت؟!

إن جرثومة دائنا هي خروج دينِنا عن كونه دينَ الفطرة والحكمة، دينَ النظام والنشاط، إلى دين الخيال والخبال، دين الخلل والتشويش، دين البدع والتشديد، وقد دبَّ فينا هذا المرضُ منذ ألف عام، فتمكن فينا وأثَّر في كل شؤوننا، وهكذا أصبحنا واعتقادُنا مشوشٌ، وفكرُنا مشوش!

يا قومُ، قد ضيع دينَكم ودنياكم ساستُكم الأولون، وعلماؤكم المنافقون!

ولا أظنكم تجهلون أن كلمة الشهادة والصوم والزكاة والصلاة والحج، كلها لا تعني شيئا مع فقد الإيمان، إنما يكون القيام حينئذ بهذه الشعائر قياما بعادات وتقليدات وهوسات، تضيع بها الأموال والأوقات.

الدين يقين وعمل، لا حفظٌ في الأذهان.

فهذه أمم أستريا (النمسا)، وأمريكا قد هداها العلمُ لطرائق شتى، وأصول راسخة للاتحاد الوطني دون الديني، والوفاق الجنسي دون المذهبي، والارتباط السياسي دون الإداري، فما بالنا نحن لا نتبع إحدى تلك الطرائق؟!))

نموذج من حِكَمِهِ

1- دِيني، هو ما أُظْهِرُ وما أٌخفي.

2- يجب أن أكون، حيث يكون الحق ولا أبالي.

3- أنا حر، وسأموت حرا.

4- أنا مستقلٌ. ولا أتكل على غير نفسي.

5- أنا إنسانُ الجَدِّ والمستقبل، لا إنسان الماضي والحكايات.

6- الحياة كلُّها تعبٌ لذيذ.

7- الوقتُ غالٍ عزيزٌ.

8- الشرف، في العلم فقط.

9- أخاف الله لا سواه.

 وصية للجيل الناشئ:

(يجب أن يجهد الناشئُ في ترقية معارفه مطلقا، ولاسيما في العلوم النافعة الاجتماعية، كالحقوق والسياسة، والاقتصاد، والفلسفة العقلية، وتاريخ قومه الجغرافي، والطبيعي، والسياسي، والإدارة، وإن تَعذَّرَ، فبالمطالعة مع التدقيق.)

***

ملخص كتاب محظور عند العرب 4 و 5

ملخص حياة مؤلِّف كتاب طبائع الاستبداد، ومصارع الاستعباد

عبد الرحمن الكواكبي 1848- 1902

 ولد في حلب، وعين محررا في صحيفة الفرات، وأجبر على تركها، ثم عمل في صحيفة الشهباء عام 1877 التي كان يملكها هاشم العطار، وكتب عن الظلم والاستبداد، مما دعا الوالي العثماني، كامل باشا، أن يصدر أمرا بإغلاق الجريدة.

درس الحقوق وتولى عدة مناصب في حلب، منها مدير مطبعة حلب، وكان عضوا في لجنة المعارف، وصار رئيسا لبلديتها، ثم استقال، وصار محاميا خاصا.

سافر إلى كثير من الدول الآسيوية، ووصل إلى الصين، ثم سافر إلى مصر، وهناك توفي بعد أن شرب كأسا مسموما من القهوة 1902.

له كتابان، ومئات المقالات.

 والكتابان هما: أم القرى كتبَهُ باسم مستعار: (الفراتي)، وكتاب طبائع الاستبداد.

رابط الحلقة الثالثة