ألأدبُ الحيّ المُشاكس: مضمونًا وأسلوبًا...

ريمون شبلي قرأها 2,081

غبيٌّ... يحلُم*! لإيلي مارون خليل:

ألأدبُ الحيّ المُشاكس: مضمونًا وأسلوبًا...

ألغباوة !

       ألعنةٌ هي أم نعمة تُحرّر من متاعب الحياة ومصاعبها ومتاعبها ؟

       إثنان، في نظر البعض الكثير، يعيشان في نعمةٍ قد يُحسدان عليها: الغبيّ والمجنون!

       ألأنّ الغباوة والجنون حالتا فقدان الأهليّة العقليّة تجعلان صاحبيهما ( الغبيّ والمجنون) على هامش الحياة؟ ألأنّهما  "وجهان لعملة واحدة"، وكلٌّ منهما لا "يفكّر" ، لا يتحمّل أو يُحمَّل مسؤوليّة ،  لا يذوق طعم الهموم، لا يحلم .... ؟

       ربّما ... أو لا شكَّ مطلقاً !

والحلمُ ،

       حلمُ اليقظة والوعي أو نداءُ الآتي ومحاولةُ الإمساك به لا يعكّره تخريفٌ وهذيان، أليس هو تخطّي الحاضرِ الى مستقبل أجمل وأفضل، يبني ويُغْني، يزيد ويُفيد، ويُحرِّر.

***

       والكاتب إيلي مارون خليل (الغبيّ الحالم)، في كتابه الجديد " غبيّ ... يحلم!"، أغبيّ حقًّا؟ أجاهل ويابس الفطنة أم أنّه يزعم؟ أو يتغابى؟

ألأدبُ الحيّ المُشاكس: مضمونًا وأسلوبًا...

 ألأدبُ الحيّ المُشاكس: مضمونًا وأسلوبًا...

       "غبيّ ... يحلم!" (نصوص) بين غلافيه مئة واثنتان وتسعون صفحة من الحجم الوسط. وعلى الغلاف الخارجيّ الأخير سطورٌ يحمّلها الكاتبُ تعريفَه بالأدب الذي هو في رأيه "... فنّ التّسلية المزدوج: تسلية الكاتب، وتسلية المتلقّي...". ويذكّرني، هنا، بما ذكره في مقدّمة كتابه" أنا أمّيّ" (مقالات 2003): " ... كنت، من خلالها، أتنفّس وأتسلّى ... وأسلّي... في النّشر حياةٌ للكلمات". وفي كتابه الجديد يؤكّد رأيه، بعد اثني عشر عامًا، أنّ "الأدب تسلية"! تسلية هو لكنْ مفيدة. فإذا كان الأدبُ تسلية (في نظر بعض الكتّاب الموهوبين المتمرّسين المثقّفين المتمكّنين فكرًا ولغة)، فهو، في الوقت عينه، فائدة تُغْني القارئَ وتضيف إلى المجتمع والإنسانيّة نقاطًا خضراء، في سجلّ الحضارات والحياة، تنوِّر وتطوِّر... في هذا المعنى أوافق الكاتبَ إيلي مارون خليل على تعريفه، ولكنّي أعارضه إذا كان "الكاتب" لا يتمتّع بهذه الصّفات، وأعتقد جازمًا أنّه يوافقني الرّأيَ ضمنًا في أشواقه وأعماقه...

       فصاحب "غبيّ... يحلُم!" ينظر إلى ماهيّة الأدب بمنظار ذاته المليئة النّاضجة الغنيّة المُغْنية. ترى، أليست الكثرةُ ممّن يكتبون، وهو ليس منهم من دون شكّ، لا "تلهو بالكلمات" كما يلهو هو بها، يطوّعُها فتنصاع له وتُطيعُه هادفةً؟

        فكيف "يلهو بالكلمات" فكرٌ فضوليٌّ علميٌّ إيجابيٌّ معرفيٌّ، ينتهج نهجًا عقليًّا سليمًا، وتفكيرًا منطقيًّا؟ كيف، وهو يُكثِر من الأسئلة والتّساؤلات (وهذه مفتاح الفلسفة) عمّا يُعانيه لبنان شعبه ومؤسَّساته من أزمات معروفة مكشوفة الأسباب، في حين كلّ فئة مسؤولة عن أزمة ما " تريد أن لا تعرف" بل " أن لا تعترف". {تُراجَع المقالات الأربع الأولى: "بداية" و"تساؤلات غبيّة" و"الحقيقة وجهة نظر" وحالتنا: انتظارٌ أم غباوة"... (ص13/30)} 

       في هذه المقالات الأربع يكر الكاتب الأسباب والدّوافع إلى وضعه هذا الكتاب، وهو حين يدعو إلى التَّسَلُّح بالصّبر فالتّداوي بالحلم، لا يَهذي ولا يُخرِّف، بل جاءت دعوته نتيجة تَصادُم واقعِه الخارجيّ المجتمعيّ والوطنيّ القائم الفاسد المُلتوي، وعالمه الدّاخلي الجميل النّبيل الرّاقي النّقيّ وِجدانًا منفعِلًا وعقلًا راجحًا وتفكيرًا منطقيًّا بنّاءً مُضيئًا.

***

       ألكتاب يضمّ إهداء وإشارة وقسمَين. فالإهداء إلى زملاء الكاتب في "الغباوة" و"الحلم"! والمقصود بالغباوة هو، حتمًا، عكسُها مقرونًا بالصّبر. والإشارة (ص 7) تقول: (هذه مقالات " تسلّيت" وأنا أفيض بها آلامًا... وها أنا "أُفرّج" عنها لئلاّ تختنق! فالنّشر حياة تستمرّ...). والقسمان يتضمّن الأوّل منهما، وعنوانُه "غبيّ..."، خمس عشرة مقالة (من الصّفحة 13 حتّى 80)، والثّاني، عنوانه "يحلُم!"، يتضمّن خمسًا وعشرين مقالة ( من ص 83 حتّى 182).

       وبعدُ ؟

       كتبَ إيلي مارون خليل مقالات القسم الأوّل والآلامُ تعتصر فكره وقلبه ووجدانَه.. وهو يصبر ولا يصدّق ما يموج في وطنه من فساد ورياء وانحطاط وإساءات وانقسامات ولا مبالاة واستسلام صامت... يتساءل ولا أجوبة عن تساؤلاته "المشكّـكة، المسنونة، المُقلقة، المؤلمة، النّازفة ..."(ص 13) تُقنعه بما يحصل! وتراه يخجل من الآباء والأجداد الّذين "كانوا كبارًا في التّاريخ! فأين نحن منهم؟"(ص17) يتساءل و"في التّساؤل فضول إلى المعرفة... معرفة الحقيقة" (ص19). والمعرفة لا قيمة لها إذا كانت لا تفيد، فهي "تراكمُ غباوة" (ص 35). وتساؤلاته تتناول أزماتِ الوطن السّياسيّة والاجتماعيّة والماليّة والدّينيّة والاقتصاديّة والتّربويّة وسواها... ولا أجوبة تنطق "بالحقيقة" الواحدة الشّافية الكافية الوافية! فالحقيقة تبدّت له وتتبدّى "وجهة نظر" (ص 23). والشّعب الّلبنانيّ حائر بين "تشريق وتغريب" (ص31)، وضائعٌ قسَّمه سياسيّوه "قبائل"، أو شعوبًا، أو أُممًا..." (ص 39-40)، ومثقّفوه سفسطائيّون نتيجة التّربية، وهذه تكون في البيت الّذي "لزّم" التّربية "للخادمات الغريبات" (ص 45)، وفي المدرسة الّتي "تبقى مكانًا للتّربية! فهل!؟" (ص 45-46)، فالفشل بسببها يعود "إلى عوامل ومسبّبات كثيرة، منها جهل دورها كمدرسة... " (ص 48). وكما تساؤله عن التّربية كذلك عن الحبّ، "رغبة في المعرفة وفي القلق" (ص51)، والنّتيجة "تنازعات وخلافات تنطلق من اختلافات" (ص 54). وكذلك عن الثّقافة الّلبنانيّة، الّتي تجاذبها الغرب والشّرق "فأقام القلقُ والشّكّ والرّيبة بين الأفراد والجماعات..." (ص55).

       وبعد الثّقافة الّلبنانيّة: "السّياسة بين المسؤوليّة والالتزام" في مقالات ثلاث (ص 61-76).

       إنّ كلّ لبنانيّ "يعتقد أنّ رأيَه هو الصّواب" (ص 61) في السّياسة، و"هذه ظاهرة مَرضيّة" (ص 62) نتيجة تفشّي الجهالة وكثرة الطّفيليّين. "فالجاهل ممتلئ غباوة. والغبيّ طفيليّ" (62)، و"الطّفيليّ يتخلّى عن أيّة مسؤوليّة" (63) و"السّياسة! أن تكون، أوّلاً، في ثقافة أصحابها... في حرّيّتهم، في المسؤوليّة والالتزام" (65). و"لعلّ المسؤوليّة تعني أن يكون السّياسيّ عارفًا المعرفة كلّها، أنّه محاسَب مطالَبٌ بواجباته وبوعوده" (69) و"الالتزام يعني أن يُراقبَ المسؤوليّة ويلازمها فلا يتخلّى عنها لسبب" (70). "وهل، من بين سياسيّينا، سياسيّون بالمعنى الحقيقيّ؟" (71). ويختم الكاتبُ بـ"لماذا" كثيرة يحثّ، في بعضها، المثقّفين من السياسيّين، وهم قلّة، على "أن يضعوا أنفسهم في المقدّمة" (73)، وفي بعضها الآخر الشّعبَ على رفع الصّوت، والتّحرّك، وإظهار الوعي النّاضج، والابتعاد عن السّياسيّين المقلِّدين المهترئين الفاسدين، وعلى امتلاك "حسن المسؤوليّة وتقنيّة المحاسبة" (76).

       ويُنهي إيلي مارون خليل القسم الأوّل بمقالة عنوانُها "لمَ أكتب؟" (ص77-80)، مجيبًا عن التّساؤلات: لماذا يكتب؟ ماذا يكتب؟ لمن يكتب؟ وما الفائدة ممّا يكتب؟ يقول: "الكتابة قدَري، أو حياتي، أو متنفّسي"، و"الجدوى؟ حين تأتي بفائدة"، و"أكتب لنفسي!"، "أوَليس من يكتب لنفسه، يكون يكتب للجميع!؟"، "ولمَ تنشر؟ للانتشار" (ص77-80).

       هذه المقالات الخمس عشرة سلسلةٌ واحدة يربطها موضوعٌ واحد، ونبرة واحدة، وانفعالات واحدة، ولغة واحدة، وثورة بيضاء هدفُها البناء والإغناء والتّطوير والتّنوير.

       وقد ذَيّل الكاتبُ مقالاته، الّتي يتراوح امتدادُ الواحدة بين ثلاث صفحات وأربع، بعبارة تساؤليّة، تُضحك وتبكي في آن، كـرّرها في آخر كلّ مقالة "أغبيّ أنا، أم صبور!؟"، تفيد التّأكيدَ وربطَ المقالات بعضها ببعض.

       وبعدُ؟

       كتب إيلي مارون خليل مقالات القسم الثّاني مفتتحًا بولادته من حلمه! (ص 83)، وحلمُه حبيبته الجميلة الشّفيفة الحقيقيّة الرّقيقة الّتي أفرغ ذاته من ذاته، وملأها منها فتجلّى نورًا وحكمة وعقلًا ورجاء وسخاء... في حين أنّ حبّه "لا يُنتج سوى الآلام وما يرافقها! أوَليست الحال بغريبة... ؟!" (ص84). ونراه يرفع الصّوت المنفعل: "أحلم، يا رجل!" (ص 81)... أوَليس للحلم فعلُ السّحر، فيقلب الأمور رأسًا على عقب؟ بلى، لذلك يدعو إلى التّجاوز، إلى الخروج من الواقع المرّ، البشع، القاسي، الرّتيب، الحزين، المؤلم... والتغلّب عليه!

       فما مفعول الحلم وتأثيراته إذًا؟

       كما ذكرتُ: السّحر.

       والبداية كانت ولادتَه هو ثانيةً من حلمه.

       وتكرُّ السّبحةُ بحسب مقالاته التّالية الأربع والعشرين. فمن "الحلم والإثارة" إلى "تكنولوجيا؟ مرَضولوجيا!"... يحاول الكاتب، كما عبّر في المقالة الأخيرة "... وأخيراً!" (ص 179-182)، أن تكون كتابتُه "فشّة خلق"!، والقصد "بثّ روح الحلم الجميل، مثيرِ فتنةِ الطّموح، محرِّضِ خصب الإرادة... لتعاند الإرادة وتنسج خيوط الطّموح المعاند المغالب، فيتحقّق الحلمُ الجميل..." (179). وهو لا يبالي، أتحقّق الهدف كلّه أم بعضه بتأثير الكتابة. إنّه يحاول دائمًا، "لأنّه لا ييأس!... لا تكمن قيمة الفنّ في ما "قال" بل في ما يطمح إلى قوله" (181).

       بعد ولادته من حلمه، ينتقل إلى تأثير الحلم في صاحبه وفي أُنثاه، فيحضّه على الحلم "بالحب، بالسّعادة، بالمرأة. أليست المرأة رمزَ الحبّ والسّعادة!؟" (ص 89). ثمَّ إلى "الحلم والشّعر" (ص 91) معلنًا أن "أسباب الحبّ غير معروفة، فيستسلم الشّاعر، وينتهي إلى القول: "إنه يحبّ وكفى." (ص 92) مؤكّداً أنّ الطريق إلى المرأة والحبّ إنّما يتمّ بالحلم. كذلك الحلم هو طريق التّجدّد (ص 95)  بين شريكين هما رجلٌ وامرأة. وكذلك الحلم هو "علاج البشاعة" (ص 99). فالحبيب لا يجدُ حبيبته إلّا كاملة. "داوِ نفسك بالحلم!" (101). ثمّ إلى "المرأة زهرة العمر". (ص 103) فالحلم يُنقذ النّفس من كلّ إساءة. لذلك "أحلم بالفرح، بالغد، بالكرم، بالجمال" (103)، والحلم "ينقذ من التّفاهة، الغباوة، الأنانيّة... والحبّ خلاص العالم"... "أحلم، يا رجل! ترْقَ حياتك بالسّعادة... والمرأة زهرتُها!" (105). ثمّ إلى "عَظِّم حلمك، يعظم مستقبلُك" (ص 107) فهو يرى "أنّ الحلم الحقيقيّ مقترن باثنين" الإرادة والطّموح! ومنهما إلى الإفادة والخير والحقّ والجمال: جسدًا ونفسًا" (107). الحلم ينسيك واقعًا مزريًا. ثمّ إلى "ولتكن منبع الأحلام" (ص111). فهو يدعو الحالم إلى أن تتناسل أحلامُه بعضُها من الآخر بلا نهاية. و"الحلم لا يكون عشوائيًّا" والعاقل يحلم "انطلاقًا من قدراته الذّاتيّة... كما انطلاقًا من رغباته والاحتياجات" (113). ثمّ إلى "أحلم، تنجُ من الغباوة" (ص 115) فالحلم "ينجّيك من غباوة الناس"... (115) في البيت وفي خارجه..." فتخرج إلى الحياة الهانئة" (ص 117). ثمّ إلى "أحلم، تشرق فيك السّعادة" (ص 119). الحلم ينسيك كلّ ما يسبّب لكَ الإزعاجَ وتفاهات هذه الأيّام. "أحلم، تَحْيَ سعيدًا" (ص 121). ثمّ إلى "أُحلم لئلّا تندم" (ص 123). الحلم يُنسي ما يسبّب الألم. ترى، "أليس كثيرًا ما يؤلمنا، اليوم، وأينما كان!؟" (123). لذلك، "أحلم لئلّا تندم" (ص 125). ثمّ إلى "... ولا تنسَ الرّؤيا!" (ص 127) أحلم! كن لجوجاً وطموحًا ومؤمنًا ومشرقًا. "توكّل على إرادتك والطّموح، ولا تنسَ الرّؤيا! أُحلم". (ص 129). ثمّ إلى "الحلم فنّ يرقى بك إلى المثال!" (ص 131). فالحلم يولّد الفنّ، وهذا "غذاء للفكر، للقلب، للخيال..." (131). و"الفنّ الجميل ينمّي خيال الإنسان" (ص 132). فالإنسان لا يتطوّر إذا كان يجهل الفنّ. ثمّ إلى "بالحلم تحقّق رغائبك" (ص 135). أحلم "تكسر قهرك"... والإنسان "لا يستطيع أن يكون "موضوعيًّا"، (135) ليُقنع الآخر. وحده العاطفيُّ المتطرّف يُقنع. وهذا "حائر محيِّر" (ص 136)، يعيش "حالة مَرضيّة" (ص 135). لذلك، أُحلم "بالحبّ، بالجمال، بالخير، بالسّعادة..." (ص 137). ثمّ إلى "ينهشك الواقع؟ أنقذ نفسك بالحلم!" (ص 139). فالواقعيّة تقود إلى القناعة الّتي "تكون سبب السّعادة، حين يكون الإنسان غيرَ طمّاع!" (139). فعلى الإنسان أن يكون "واقعيًّا طموحًا معًا" (ص 140). "ولا ينجح إلّا الحالمون المخاطرون!" (ص 141). ثمّ إلى "أحلم تُنقذ نفسك من بطء الزّمن" (ص 143). فالزّمن يغدر، والحلم ينجّي من "غدر الناس... الزّمن... العمر... وكلّ غدر مؤلم" (143). وليس سوى المرأة – "النّجمة" التي تُنسي الغدر، وتكون "مكافأة الله لك... بالحبّ"، لذلك "أُحلم، يأتِك الخلاص" (ص 144). ثمّ إلى "اليأس؟ انتحار بطيء!" (ص 147). إنّ "المتشائم الدّائم لا تبرير له... إنّه مريض نفسيّ بامتياز!" (ص 148). "فاليأس عدوّ الطّموح... واليائس غير مؤمن بالتّطوّر"... لذلك، "لا تيأس! لا تَعِشْ موتًا بطيئًا" (ص 149). ثمَّ إلى " التّشاؤم يباس الرّوح" (ص 151) فيتذكّر أمَّه ونصائحها المفيدة، وأباه الخوري الّذي "لا يقلّ عنها تفاؤلاً..." فالمتفائل فرِح، والفرح ينتقل الى الآخرين (ص 152) . " سعيد، هو، لأنّه قانع بالحياة" ( ص 153). ثمّ إلى " تُقوّي الأحلام، وتُمتع !" (ص 159). يؤكّد أنّ الأحلام جميلة وجذّابة ومثيرة ومحفّزة، ويجب التّجاوب معها والافتخار بها. ثمّ الى " كن سويّاً واحلم" (ص 163). يحضّ على الحلم والنّسيان والمسامحة للتّمكّن من العيش بحرّيّة وسلام وطمأنينة، وعلى الزّهد حمايةً من التّفاهات والغباوات والمادّيّات . و"ليكن حلمك الفضيلة" (ص165)، الّتي تحافظ على توازنك. "كن سويّا لكنْ مثاليًّا" (165). ثمَّ إلى "راقب، أحلم، تَنْجُ!" (ص 167). يدعو إلى مراقبة أحوال الأسرة الّتي هي  "جماعة صغيرة، متّحدة، تحلم معًا، تعمل معًا.." (ص168) وقد اختَرقت معظمَها تكنولوجيا العصر والسّياسةُ أيضًا.

       لذلك، لا علاج إلاّ بالحبّ الّذي يعيد الوحدة إلى العائلة. ثمّ إلى " أُحلم كي تطمئنّ" (ص 171). فالحلم "يمسح الذّاكرة وما علق فيها وعليها من غبار الأيّام" ( 171). إنّ مسح الذّاكرة هذا يجدّد الخلايا والحياة السّعيدة. فإذا "رغبت في أن تكون خليّاً مطمئنّا" ، ( ص 173) فاحلم. ثمّ إلى " تكنولوجيا ؟ مرضولوجيا" (ص 175). إنّ الحلم يُنقذ من كره الغلط المنتشر في : الأسرة، والمجتمع، والوطن، والسّياسة، والأديان، والفنّ ، والكون كلّه. فعالم اليوم تحكمه العتمةُ الّتي يقصد بها الكاتب التّكنولوجيا أو المرضولوجيا كما يسمّيها. بناء عليه يقول: " أُحلم بتغيير العالم... بأنّه تغيَّر" (ص 177).

       هذه المقالات الخمس والعشرون سلسلةٌ واحدة يربطها موضوع واحدٌ هو الحلم، وانفعالات واحدة، ولغة واحدة هي لغة الكتاب كلّه، لغة إيلي مارون خليل المتجسّدة كلمةً من قاموس هذه الأيّام، وقالبًا واحدًا بلاغيًّا تنصهر فيه الجُملُ الخبريّة والإنشائيّة، الموقّعة وغير الموقّعة، الإيجازيّة وغير الإيجازيّة، الحقيقيّة الموضوعيّة والمجازيّة الشّعريّة.... لغته هي لغةُ نثر جميل ذي نكهة " خليليّة " خاصّة. وهذه المقالات تشغل الواحدةُ صفحتين أو ثلاثًا يبدأ البعض منها، أو يُختَتم ، بعبارة - " كليشّيه" هي " أُحلم، يا رجل!"، أو يبدأ البعض الآخر منها ويُختتَم بهذه العبارة الّتي تقوم بوظيفتين رئيستين، هما: تأكيدُ رأي الكاتب وموقِفه ومقصده، وربطُ المقالات بعضها ببعض.

       إنّ وظيفة التّأكيد في العبارة – " الكليشّيه"، في مقالات القسم الأوّل، "أغبيٌّ أنا، أم صَبور!؟" تعبّر تعبيرًا صادقًا وصحيحًا عن أنّ الكاتب (ومن خلاله المواطن الّلبنانيّ) صبور جدًّا على ما حلّ في وطنه من فساد وانحطاط وانحدار وانهيار، على الصُّعُد كلّها، وما عليه إلاّ أن ينتفض سعيًا إلى تغيير الأوضاع الفاسدة السّائدة، وإذا كان لا يستطيع ذلك، فليحلم، أقلُّه، بأنّه يغيّر... (من خلال مقالات القسم الثّاني والعبارة - "الكليشّيه": " أُحلم، يا رجل!") ولا بدّ من أن يأتي يومٌ ينبلج فيه الفجرُ الجديد المضيء.

 ***

       بعد قراءتي " غبيٌّ... يحلم!"، ترسّخ أكثر رأيي الّذي يعارض رأي إيلي مارون خليل أنّ " الكاتب يلهو بالكلمات وأنّ الأدب هو فنّ التّسلية".

       فإذا كان الّلهو بالكلمات كما هو يلهو، فأهلاً به وسهلاً، وأنعِمْ وأكرمْ بتسلية كهذه تضع الإصبع على الجرح وتحاول المداواة والإصلاح والإفادة والتّشييد!

       فالتّسلية بالكلمات لا يلجأ إليها إلاّ أصحابُ الأقلام الهزيلة السّخيفة، لا المضيئةِ المفيدة كما قلم إِيلي مارون خليل والأقلام الّتي تُشبه قلمَه. فإذا أعلن أنّه يتسلّى فلأنّه في هذا المستوى الرّاقي من الكتابة. ولينتبهِ الكتّابُ الّذين ليسوا في هذا المستوى: إنّ رأيَ إيلي مارون خليل لا يتناولهم.

       فليتسلَّوا، إذا أرادوا، بغير الكلمات.

* "غبيٌّ... يحلُم" لإيلي مارون خليل/نصوص بـ192 صفحة، حجمًا وسطًا، دار النّديم، بيروت،2015.

ألغلاف لجوزف أبي ضاهر.

15  تشرين الثّاني 2015 / ساقية المسك – المتن  

ألماجيسْتْرا الشّاعر ريمون شبلي