آخر لمسات أطلس امبراطورية العولمة!
لم تعد طريقة إشعال الحروب، بين الدول، هي الوسيلة الوحيدة لإعادة صياغة الدول والأمم والشعوب، ولم تعد الديانات والعقائد والمذاهب قادرة على بلورة صيغ جديدة للعالم، كما كان يجري في سالف العصر والأوان.
اليوم، المجدُ، كل المجد، لنظام العولمة الجديد، فهو الأكثر فعالية، والأقدر على إعادة صياغة العالم في أطلسِه الجديد.
وإذا كانت الأديان، والعقائد، والمذاهب، صاغت العالم، في قديم الزمان، وفق رؤية الزعماء، والقادة، والمبشرين، وقُسِّم العالمُ وفق المذاهب والعقائد والأديان، وإذا كانت الحروب أنتجت التشريد والقتل والدمار وإعادة خلط الأجناس، مما ولَّد ديكتاتوريين وأباطرة وقياصرة وأنظمة حكم شمولية؛ فإن الصياغة الجديدة للعالم، هي الأوسع والأقسى والأشد تأثيرا من غيرها.
إنَّ إعادةَ صياغة أطلس العالم هي المهمةُ الأبرز للعولمة في عصرنا، أخذتْ العولمة على عاتقها مهمةَ القضاءِ على التقسيمات التقليدية البائدة، وأبرزها:
لا مجال في أطلس العولمة الجديد للوطنيات والقوميات، فالوطنيات التقليدية مُضرة بنظام العولمة، لأن منظومات الوطنيات والقوميات تعتنق الأعراقَ والبطولات، وتسيِّرُ شؤونها الحياتية وفق هذا المفهوم، وترى العالم من ثقوبها الخاصة، وهذا بالتأكيد يُناقضُ مفهوم إنسان أطلس العولمة الجديد!
أيضا، لا مكان للأيدولوجيات التقليدية، فعالم اليوم، وفق الأطلس الجديد، ينقسم إلى قسمين فقط، القسم المنتج، والقسم المستهلك، لذا، فالمنتجون، والمُسوِّقون، هم فقط الذين يفرضون أيدولوجياتهم الجديدة،
وفق ذلك فإنًّ ثقافةَ الفرد، وعلو منزلته، تُقاسُ في العالم الجديد، بمقدار استهلاكه، وإفراطه في الإدمان على منتجات العولمة، وليس بما يملكه من أفكار ومعتقدات. وتُقاسُ الإبداعاتُ بما يبتدعه المتفوقون من آليات إدمانية، رقمية، وترفيهية، وأكلية، ودوائية!!
تغيَّر تعريفُ (الرجعي، والرجعية)، وفق الأطلس الجديد، فالرجعيُ هو كل مَن يرفض منتجات العولمة، والرجعية هي محاربةُ منتجات العولمة!
كذلك فإن الرجعيَ هو كلُّ مَنْ يُغنِّي الأغنياتِ الوطنية السالفة، ويُنشدُ قصائد الأمجادَ القومية، ويعتزُّ بنقاء السلالات العرقية!
أما مجموع الفضائل الأخلاقية المكتسبة بوسائل الثقافة التقليدية، فإنها حجراتُ عثرة في طريق رسم آخر صفحات أطلس العولمة الجديد!
فالصدق عيبٌ خَلقي، والأمانة عاهةٌ موروثة، والنزاهةُ شرٌ مستطير، أما النُصرة، والكرم، والإباءُ، والعِزَّة، فأمراضٌ اجتاحتْ الأمم في العصور السالفة، وجرى إنتاج لقاح جديد لها في معامل العولمة، وأثبتَ اللقاحُ فعاليته في القضاء المبرم على هذه الأمراض.
وفي الأطلس الجديد جرى تغيير مفاهيمَ عديدة، فالسرقةُ، والرشوةُ، والابتزاز، والسمسرة، والعمولة، والمماطلة، والدجل، والعمالة، وكل مشتقات الكذب، لم تعدْ جرائمَ ومصائب، تُبتلى بها الأممُ، بل أصبحتْ كلُّها صفاتٌ محمودة ومُستساغة، لأنها تُعزز النشاط التجاري، وتجلب نتائجُها الربح المادي الوفير، وتُربِحُ بورصات الشركات!
كذلك فإن الوعيَ والثقافة صارتْ نكبةً في الأطلس الجديد، فثقافةُ القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، أبطأتْ عقودا عملية إنجاز أطلس العولمة الجديد، لذا، فإن خبراء الألفية الثالثة تمكنوا من محاصرة هذه الكارثة، باستخدام سلاح جديد فعَّال، وأدخلوه بالفعل إلى أنظمة التربية والتعليم، وذلك بالقضاء على آخر المعلمين المُثقِّفين، باضطهادهم في قوتهم، ودفعهم إلى أن يتحولوا من رُسلِ ثقافة، إلى تُجَّار شنطةٍ وكتبٍ، وأبحاث، وشهادات!
فأغرق راسمو أطلس العولمة الجديد الفصولَ المدرسية والجامعية البائسة، بأعداد كبيرة من الطلاب، وحولوا التعليم من التوعية إلى الحشو!
وأتوقعُ أنْ تشهدَ السنواتُ الخمس القادمة تطهيرا شاملا لآثار الكارثة، كارثة الوعي والثقافة!
حينما تنتهي صياغةُ الأمم والأوطان وفق آخر نسخة من أطلس العالم الجديد، فلا وجود في هذا الأطلس لحدود الدول، ولا لأسمائها، ولا لأعلامها، أو ثرواتها الطبيعية، أو مسمياتها المدرسية، بل لألوان أعلام الشركات الكبرى، في إمبراطورية العولمة !!