مأساة النازحين والمهجَّرين والباقين مزدوجة

مصطفى محمد غريب قرأها 1,301

مأساة النازحين والمهجَّرين والباقين مزدوجة 

لم يشهد تاريخ العراق الحديث نزوحاً جماعياً يقدر بمئات الآلاف وبهذا الشكل المروّع والوحشي والذي ستبقى آثاره المأساوية لحقب طويلة يعاني منها ملايين العراقيين. فقضية النزوح والهجرة والتهجير أخذت تتصاعد بعد الانقلاب الثاني لحزب البعث العراقي وتفرُّده بالسلطة بشكل تام في 30 تموز 1968، وتجلّى هذا النزوح في أشكال عديدة وتعدّدت أسبابه، منها الحروب الداخلية ضد الشعب الكردي وقواه السياسية، ثم السياسة المعادية للقوى الديمقراطية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي التي اعتمدت الإرهاب والبطش والاعتقال والسجن بما فيها عمليات الإعدام والاغتيال السياسي للمعارضين الذين يختلفون مع النظام الدكتاتوري، إضافة للحروب الخارجية وفي مقدمتها الحرب العراقية الإيرانية أو ما يطلق عليها حرب الخليج الأولى، ثم احتلال دولة الكويت وطرد الجيش العراقي منها من قبل القوات الأمريكية، ثم الانتفاضة الشعبانية والانتفاضة في كردستان العراق ونزوح وهروب مئات الآلاف من الكرد والعرب ومن المكونات الأخرى وبالتالي الحرب الأخيرة واحتلال العراق وإسقاط النظام الدكتاتوري، ومن خلال تقارير رسمية وشبه رسمية أشارت إلى وجود أكثر من أربعة ملايين عراقي يعيشون في الشتات مقسمين على دول العالم ما بين لاجئ ومهاجر، وتؤكد الإحصائيات عن ولادة أجيال جديدة خلال الحقب التاريخية حيث نمت وترعرعت وأصبح لها شأن في مجال العلم والسياسة والثقافة ومناحٍ حياتية أخرى، لا بل أن هناك جاليات عراقية كبيرة تساهم في مجالات عديدة وتتبىء بمكانة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية وعلمية... الخ، وكانت الأكثرية من العراقيين وبخاصة السياسيين منهم يجاهدون لتعريف المجتمع الدولي بتداعيات الأوضاع في العراق وسياسة النظام الدكتاتوري الإرهابية تجاه أكثرية الشعب العراقي وبانتظار اللحظة الحاسمة لإسقاطه وإقامة البديل الوطني الديمقراطي، إلا أن الأمر بقى بين التمنّي والانتظار والعمل واستمر العامل الذاتي يتعثّر وبقي غير موحد فضلاً عن تدخلات خارجية في شأن البعض من قوى العامل الذاتي، حتى بدأت التوجهات الأمريكية وبحجّة أسلحة الدمار الشامل تسير نحو لملمة البعض من القوى المعارضة عربية وكردية وإسلامية وغيرها. وكان اجتماع لندن في ديسمبر 2002 (لم تحضره بعض الأطراف الوطنية وفي مقدمتها الحزب الشيوعي العراقي) قد فوّض بشكل ما الإدارة الأمريكية للتعامل مع النظام الدكتاتوري وملفّ أسلحة الدمار الشامل وتعنّت النظام حينذاك في مسألة لجان التفتيش، وبهذا حُسم الأمر بالخيار العسكري الخارجي لإسقاط النظام الدكتاتوري، هذا الخيار الذي عارضه الحزب الشيوعي العراقي من خلال الشعار الذي طرحه في حينها "لا للحرب لا للدكتاتورية" والذي يعني معارضة التدخل الخارجي والاعتماد على العامل الذاتي وبالذات على عاتق القوى الوطنية المعارضة للنظام بوضع برنامج وطني لإقامة جبهة وطنية معارضة من جميع القوى الوطنية وأحزاب الإسلام السياسي التي تؤمن بإقامة نظام مدني برلماني دستوري وحلّ المشاكل المتعلقة على أساس الحوار الوطني وتشريع قوانين لصالح أكثرية الشعب العراقي ووضع دستوري دائم يحتوى على أسس ديمقراطية لتثبيت حقوق المواطنة.

إلا أن "الرياح تجري بما لا تشتهي السَّفَنُ". فمنذ بداية السقوط تم تأسيس التوجّه الطائفي بقيام مجلس الحكم (12 تموز 2003)، ولعب الحاكم الأمريكي المدني بريمر دوراً غير مسبوق في تثبيت هذا النهج ولم تعارضه الإدارة الأمريكية بل شجعت استمراره منذ تشكيل أول وزارة بعد مجلس الحكم حيث تجلّت التوافقية والتقسيم الطائفي على أكثرية الوزارات وبخاصة الوزارة الثانية في عهد إبراهيم الجعفري وازدادت حدّة وأصبحت أكثر تطبيعاً في عهدي نوري المالكي لا بل هو من رسخ المفهوم، ولم تكن هذه الفترة الزمنية بعيدة عن توسيع مأساة التهجير الطائفي تحت مسميات عديدة فضلاً عن النزوح من المناطق إلى مناطق داخل البلاد نتيجة الاحتقان الطائفي وعمليات التفجيرات الإرهابية والاغتيالات المبرمجة التي تقوم بها ميليشيات طائفية تتلون مرة كجزء من قوات تابعة للحكومة وأخرى كمن يرتدون الملابس التابعة للشرطة الاتحادية أو الجيش ويستخدمون الآليات التابعة للدولة من سيارات رباعية الدفع وغيرها، وأمام حالة من الخوف والرعب من الإرهاب والاغتيالات لم تكن الهجرة داخل البلاد هي الوحيدة فحسب بل هناك مئات الآلاف ممّن فرُّوا هرباً إلى البلدان العربية المجاورة مثل سوريا (قبل الأحداث) والأردن ومصر والإمارات والبعض توجّه إلى البلدان الأوربية، فتضاعفت الأعداد السابقة لللاجئين ممّن هربوا من ظلم وتعسُّف النظام الدكتاتوري البعثي ومن الحروب التي شُنَّت داخلياً وخارجياُ على العراق.

لقد تبلورت حالة جديدة أكثر قسوة وتعذيباً عن السابق وهي سيطرة داعش على الموصل وصلاح الدين وغيرهما فنزح هرباً مئات الآلاف إلى مناطق كردستان العراق والمحافظات الأخرى وأقيمت مخيمات للسكن تذكرنا بالمخيمات التي أنشأت للفلسطينيين وفي أفريقيا ودول أخرى ولم تكن الحالة المزرية لقاطني المخيمات مقتصرة عليهم بل تجاوزت حتى على الذين مازالوا تحت مطرقة الإرهاب أو المناطق التي تحررت وهي مازالت خالية من السكان مثلما الحال لمدينة تكريت التي تناقلت الأنباء عنها كونها "مدينة أشباح" ففي تقرير للاندبندنت نشر في 10/6/2015، طرح تساؤل مشروع حول بقاء المدينة بدون ساكنيها وعزت الصحيفة ذلك إلى "خوف ساكنيها من الميليشيات التي استعادتها وغياب القانون من شوارع المدينة" طبعاً هذه الحالة تجاوزت مدينة تكريت إلى مناطق ومدن طرد منها داعش الإرهابي، ومازالت المخيمات التي يقطنها مئات الآلاف من العراقيين تعاني العوز وضعف الاهتمام وضبابية المستقبل القريب للعودة، أمام شعارات طائفية في مقدمتها مثل "صرنا تكارتة" والمعني تكريت التي كانت البعض يتلقب باسمها أبان حكم البعث الصدامي.

لقد ازدادت المحنة بتعقيدات جديدة بعد سيطرة داعش على الرمادي ونزوح الآلاف منها باتجاه الوسط والجنوب والعاصمة بغداد وبهذا توسّعت مأساة المهجرين عن موقع سكناهم وعملهم وتجلّت المعاناة الإنسانية التي شملت الجميع بتعرّض الأطفال والنساء والشيوخ إلى الحرمان من آبسط متطلّبات الحياة من تغذية وأدوية وسكن ورعاية تربوية، فكلما يمر الوقت تزداد المحنة ويزداد العذاب، وأشارت مفوضية حقوق الإنسان على لسان عضو المفوضية فاضل الغراوي أن تنظيم داعش هجّر أكثر من "مليون ونصف من الأطفال" دون عمر 18 عاماً. وأكد الغراوي لفرات نيوز ان "هذه الجريمة تعتبر جريمة ضد الإنسانية وفق أحكام المادة 7 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وهي بنفس الوقت تخالف اتفاقية الطفل والمعاهدات المعنية بشأن حقوق الأطفال" ولقد استعملت داعش أكثر الأساليب وحشية وقذارة بالضد من النساء والأطفال والمكونات الدينية والمذهبية باستثناء من ينتمي ويبايعه إضافة إلى البربرية الهمجية والتدمير لقيم وأخلاقية الإنسان التي تعتبر جرائم بحق الإنسانية وبخاصة الايزيدية والمسيحية والشبك وغيرهم.

إن محنة النازحين الذين نزحوا عن مدنهم وقراهم ومنازلهم ومصادر عيشهم نتيجة اضطهاد وبربرية داعش تزداد يوماً بعد آخر لأسباب كثيرة منها أحوالهم السكنية والصحية والمعيشية وضعف الاهتمام من قبل الحكومة وعدم مراعاة وضعهم المأساوي وبخاصة بعد تحرير مدنهم وقراهم حيث الريبة من البعض الذين يستغلون الحشد الشعبي لزرع الخوف والرعب مما أدى إلى امتناع العديد من العائلات النازحة بعدم العودة وقد نشرت الاندبندنت مقابلات مع بعض العائلات من تكريت فأكد البعض منهم أنهم كانوا متحمّسين للعودة لكنهم متردّدين بسبب البعض من "أفراد الميليشيات الذين حرروا المدينة حسب قولهم" كما ذكرت الصحيفة البعض من الأسماء الذين قابلتهم بينهم نساء كشفن عن حرق منازلهن ومع ذلك فعودة حوالي 200 عائلة ممن نزحوا من مدينة تكريت إلى سامراء وكركوك، حسب تصريح رائد الجبوري محافظ صلاح الدين، يعتبر أصغر عدداً بالمقارنة مع الكمّ الهائل الذي مازال ينتظر إجراءات أمنية للحفاظ عليه من قبل الأطراف كداعش أو ممن يريد الانتقام بحسٍّ طائفيٍّ مقيت، وقد طال الأمر نسبة المتقاعدين التي تُظهر رقماً مخيفاً عندما كشف احمد عبد الجليل مدير هيئة التقاعد العامة بأن "المتقاعدين النازحين وصل عددهم أكثر من 350 ألف متقاعد، أغلبهم يحملون البطاقة الذكية، داعيا البعض ممّن لم تتح له الفرصة مراجعة مكاتب التقاعد في المحافظات أو الهيئة في بغداد". هذا النزوح تعود أسبابه إلى العمليات الإرهابية التي طالت مدنهم والبعض من المحافظات، وعلى الرغم من المعالجات السريعة التي ساعدتهم ولكن إلى حين فإن حالهم كحال كل النازحين والهاربين واللاجئين، أما الذين بقوا تحت رحمة داعش (غير الرحيم) فتلك قضية أخرى ومأساة اكبر.. ولهذا على الحكومة الاتحادية الإسراع في معالجة أوضاع النازحين وإعادة البعض ممن تحررت مدنهم والعمل على تامين أوضاعهم وعدم التعرض لهم تحت طائلة أية حجة من الحجج وقد يكون بعضها طائفية وانتقامية مثلما حدث مع شديد الأسف بحجة الانتقام، وجعل القانون والقضاء العراقي هو الفاصل والحاكم بدلاً من المعالجات غير القانوني واللاإنسانية تجاه الأبرياء لمجرد الانتقام.