رواية
يكرّس ربيع علم الدين في «امرأة غير ضرورية» مكانته في طليعة أدباء لبنان والعرب باللغة الإنكليزية. علماً ان روايته لم تترجم بعد الى لغته الأم. لا لأن إنكليزيته صعبة او بالغة التعقيد بل لأنها شديدة الدقة، ثرية بالتلميح والإيحاء، تكتنز ثقافة موسوعية وتؤدي خطاباً سردياً فريداً ذكّرني بما انتجه ميخائيل نعيمة في مرداد بالإنكليزية. لم يترجم ناسك الشخروب مرداده الى العربية، بل أعاد تأليفه فيها من جديد، وجاءت النتيجة متوافقة جوهرياً مع سابقتها الإنكليزية، متطابقة في الفحوى، مختلفة في الشكل والسياق. اما الفارق بين نعيمة وعلم الدين فيكمن في اختلاف المنحى السردي والدعوى الفلسفية: نعيمة رسوليٌّ، روحانيّ، وعلم الدين حسّيٌّ، حكائي. من هنا، في اعتقادي، ان ترجمة علم الدين الى العربية تحتاج اديباً نافذاً في اللغتين، وطيد المراس في الكتابة الروائية.
عالية، بطلة الرواية، عاقر، مطلقة، متنافرة، متوافقة، غريبة ومألوفة في آن. وهي ايضاً مترجِمة ضحّت بطموحها الفردي في سبيل نقل أعمال الكتاب والفلاسفة والشعراء الغربيين الى العربية، بعيداً من النشر ومن مشاركة شغفها أي شخص آخر مهما كان حميماً. مشروعها السنوي إنهاء ترجمة عمل أدبي تحبه لتحبسه في علبة وتركمه مع رفاقه في غرفة صغيرة مخصصة لخادمة لم تظهر أبداً. بعد نصف قرن على هذا المنوال وصل عدد ترجماتها الى 37 مخطوطة. وتقول عالية: «أدركت منذ البداية عدم وجود سوق لترجماتي فلا حاجة حقيقية للأدب في العالم العربي». لكنها لا تطلق زفرة أسى مع هذه المعلومة المحزنة بل تراها سعيدة بمطالعة كتب تكشف لها:» معنى ان يعيش الناس في بلاد طبيعية حيث تكبس مفتاح الكهرباء فيأتيك النور كل مرة ولا ينقطع التيار مرتين او اكثر كل يوم، ويأتي السمكري في موعده والزائرة في الساعة المتفق عليها».
منذ فجر الاستقلال اللبناني حتى أمس قريب، تتناثر أحداث «امرأة غير ضرورية» بلا فصول ولا أبواب. تتعيّن الأوقات وتختلف الأزمنة من دون ان يشعر القارىء الى اي حاضر دخل او اي ماضٍ خطفه، وتمتزج الأنواع والأساليب في نصٍّ نقّالٍ، استشرافيٍّ، ناقدٍ، معرفيّ، على قدر لاذع من الطرافة أحياناً. وبصوت قد نتخيّله مخدوشاً، صلب الحنجرة، تروي عالية قصتها المجبولة بكتب ترجمتها وأخرى قرأتها، حتى لتبدو حياتها وحيَوات المؤلفين وأبطالهم بساطاً مشتبك الخيوط والألوان، ناهيك عن تمزّقات الظروف وحروق الحرب.
صديقة عالية الأثيرة، حنّة، عرجاء، شرهة، وفية، اشتغلت في كافيتاريا مستشفى، تصل الى عملها في السرفيس - سيارة الأجرة المشتركة في بيروت - تحجز مكانين في المقعد الخلفي كي تبقى في مأمن من المتحرّشين. وفي 21 تشرين الثاني (نوفمبر) 1944 صعد الى جوارها «ضابط في الجيش اللبناني» وسنفهم بعد قليل انه لا يحمل مسدّساً وحسب بل ايضاً بندقية، وأنه في طريقه الى الاحتفال بالعيد الأول للاستقلال. سائق السرفيس قرّر عدم مراعاة رغبة حنّة، وأراد التوقف لجندي آخر. عارضته حنّة اكثر من مرة لكنه أصرّ على التقاط الجندي على رغم اعتراض الضابط ايضاً. وفي النهاية ردّ السائق الأجرة للضابط والراكبة وأنزلهما من سيارته.
لو لم يحدّد المؤلف تاريخ الواقعة كما ورد أعلاه، لصلح اعتبارها جزءاً من التخييل العادي، لكن تعيين التاريخ جاء مخالفاً للواقع التاريخي من دون علّة واضحة. ففي السنة المذكورة لم يكن الجيش اللبناني سوى مشروع حمله وفد رسمي الى باريس ولندن حيث مكث أعضاؤه اسبوعين قبل ان يحصلوا على موافقة مهندسي «سايكس بيكو» بتجنيد ثلاثة آلاف عنصر من فيالق «جيش المشرق» المختلط. وتحقق للوفد ما أراد في أول آب (اغسطس) 1944 التاريخ المكرس حتى اليوم عيداً للجيش اللبناني. إذاً لم يحصل اي عرض عسكري في تلك السنة. ومن الناحية المنطقية البحتة ليس وارداً ان يطرد سائق سرفيس ضابطاً بكامل سلاحه ومعه امرأة في زيّ ممرضة لمجرد إصراره على التقاط راكب إضافي مهما كانت الظروف.
ويحتشد نصّ «امرأة غير ضرورية» فوق الطفح بالمؤلفين والشعراء والموسيقيين. حياتهم، علاقاتهم، انتحارهم (الكتّاب ينتحرون اكثر من الموسيقيين) جنونهم، انحرافهم، وأقوالهم. محطات ومفاتيح تتوالى على تغيير وجهات السرد او تعميق معانيه او مناقشة الأشباح المتقاطرة في خاطر عالية من خلال تذكرها نصوصاً واقتباسات. لكن القارىء العادي، والقارىء المهتم، وحتى القارىء الأكثر اهتماماً، ينوء في النهاية تحت وطأة أسماء قصيّة من التداول، ونصوص تبزغ من أعطاف السرد، فتتعطل متعة مطالعته، مما قد يلقي به الى مضض وامتعاض. لذا، بديهيٌّ ان يرى بعضهم ان الأكثر أقل، وأن المؤلف زادها استعارات، ام انه ينوي إقناعنا بأن عالية تردّد اصداء تلك المعرفة باستمرار كونها مرتعبة من الشيخوخة خصوصاً ان أمَّها العجوز تزيد خرفاً يوماً بعد يوم؟
لكن، قرابة نهاية الرواية، يأتي الجواب في السياق الحكائي إذ يحدث دلف من الطابق العلوي على غرفة الخادمة، المخزن السري لمخطوطات عالية. وتهرع جاراتها الثلاث الغيورات، ماري تيريز، جومانا، وفاديا لإخطارها بالدلف... هكذا يكتشفن سرَّها إذ يجهدن لإنقاذ المخطوطات بكل الطرق، بما فيها سيشوارات الشعر. مَن هؤلاء الكتاب؟ لماذا لم نسمع بهم؟ تقول جمانا: »بيسووا؟ هامسن؟ كورتزار؟ هدايات؟ كاراسو؟ نوتبوم؟ كيرتيش؟» «كتّاب رائعون. إثنان منهم حازا جائزة نوبل» تجيب عالية. (وتعني النروجي كُنت هامسن 1920 والمجري إيمري كيرتيش 2002) مما أيقظ المزيد من الفضول لدى جومانا فأعربت عن رغبتها في مطالعة كتبهم وإنقاذ المخطوطات البليلة.
لنتامل قليلاً: هل أدرج علم الدين تلك الأسماء القصيّة من التداول وعشرات غيرها على سبيل التباهي الزائف بذكر اسماء تضع قارئه في حرج كما يفعل المتعالون الجهلة؟ ام في الطوية تحريض للقارىء على الاستزادة مطالعة ومعرفة؟ للقارىء ان يجيب، اما انا فلديّ ثقة كبيرة بقوة التحريض الخفيّ، لأنها فعلت فعلها فيّ وبدأتُ للتو مطالعة ثانية لـ «إمراة غير ضرورية» بحثاً عما أجهله.
يبقى ان ربيع علم الدين أفصح في روايته هذه عن نفوره من «الذروة الروائية» واعتبرها زائدة، ناقصة، مفتعلة فأطلق عليها اسم Epiphany او لحظة الانقشاع العلوي مثلما جاءت في التعبير الديني، وصرف جهداً في مغالبة بزوغها من نصه، لكنه بلغ مرحلتها غير مرة، ليس في النهاية فحسب بل في صلب الحكاية، الى ان أقرّ بها وهو مازال يحاول نفيها... النص الحيّ يتمرّد على صانعه كأيّ مخلوق آخر.