الشـعـر المحـكي.. واسـطة بين العقــل والقـلب
رغم طغيان أرواح جبران المتمردة، وعرّافة نزار المبصرة، وولع غادة السمان ببيروت، وانتظارات درويش الطويلة، عاد ليظهر فنٌّ بسيط في كلماته عميق في تعابيره وصوره، يعبر عن ضوء القمر بطريقة أخرى، ويفتح مجالات للعشّاق بالرحيل إلى داخل مرآتهم الخاصة، ليظهروا أنفسهم على هيئة شعراء اللهجة العامية، مستخدمين «الشعر المحكي» ليعبّروا عن ذواتهم.
في هذا السياق، يقول الشاعر السوري الشاب «مهند العزو»: «ما علقني بالشعر المحكي، هي حاجتي للتعبير عن الكثير من الأشياء بداخلي، فكان الشعر هو القيامة والمخلّص بالنسبة لي».
وعلى الرغم من جدَّة استقطاب هذا النوع من الأدب للشباب، إلا أنّ وجوده ليس جديداً، بل هو لون عتيق له صفاته وكلماته التي تهيمن على مشاعر الإنسان وتصل إلى صميمه، فتنقله إلى عالم آخر أجمل، وتجعله يقول «الله» أحياناً، بينما يلتزم الصمت في أحيان أخرى، عاجزاً عن التعبير أمام جماليّة مشاهده المتقنة والموزونة على أوزان بحور الشعر المختلفة.
فالشعر المحكي أو «الزجل» هو فنٌّ من فنون الأدب الشعبي، الدارج في بلاد الشام منذ عصور والزجل في اللغة يعني «الصوت» واصطلاحاً يعني «التصويب والتطريب»، وهو اسم أطلقه الأندلسيّون على شعرهم العامي الذي شاع واشتهر في القرن الثاني عشر الميلادي.
وعن الفرق بين «الزجل» و«الشعر المحكي»، يقول الشاعر السوري إياد قحوش صاحب ديوان «بيتين وتنور»: «ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻤﺤﻜﻲ انبثق ﻣﻦ الزجل، كما انبثق ﺍﻟﺸﻌﺮ الحديث بالفصحى، ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩﻱ».
ويضيف: «مواضيع الزجل كانت فخراً وتحدياً وغزلاً، بينما الشعر المحكي صار فيه فكر وفلسفة».
وعن كتابته للشعر المتقن يقول قحوش بلغته الجميلة: «أنا أكتب لكي أرتاح.. ﺍﻟﺸﻌﺮ ﻴﻨﺴﻴﻨﻲ ﺍﻟﺨﻮﻑ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻮﺕ.. ويجعلني أحس بالحياة».
بدأ الشعر المحكي بتكوين شريحة واسعة من المتابعين له جاذباً قراءه من مختلف الثقافات والأعمار مكوناً له اسماً صعباً بين أنواع الفنون الأخرى التي قد تستهوي القراء مثل «الهايكو» و«الشعر المعاصر» و«السرد الطويل».
وعن هذا يقول الشاعر اللبناني نعمان ترس صاحب ديوان «دموع الحبر»: «ﺍﻟﺸﻌﺮ العامي الذي ﻴﺸﺒﻬﻨﺎ، يسير شيئاً فشيئاً تجاه هويته، حتى أنه اقتحم الكثير من المجالات، وخلق فلسفة خاصة به، وأتوقّع منه أن يقول للفصحى: أنا هنا ولست الوحيدة في الساحة».
ويصف نعمان ترس ابن «إهدن» الشعر العامي قائلاً: «ﺍﻟﺸﻌﺮ ﺍﻟﻌﺎمي ﻟﻐﺔ عموم ﺍﻟﻨﺎﺱ البسيطة، ﻭفي الوقت ذﺍته، هو اللغة المعجونة بالإبداع والصورة التي يراها الشاعر بتفرد».
وعلى الرّغم من إهمال الكثيرين عن غير قصد لهذا النوع من الفنون وميلهم إلى الشعر المكتوب بالفصحى، إلا أنه يبقى أصل الكلمة الطيبة التي تقال بعفوية، فتخرج من القلب إلى القلب مباشرة، وتغير شيئاً ما في النفس ليدرك قارئه في لحظة واحدة، قيمة وجمال القصائد التي كتبت خلال آلاف السنين.