أبدية المفاوضات وسرمدية المقاومة
إنَّ غاية ما يتمناه العدو الصهيوني ويهدف إليه في هذه المرحلة، هو العودة إلى طاولة المفاوضات، ومباشرة محادثات السلام مع السلطة الفلسطينية، بصورةٍ مباشرةٍ أو عبر الوسيط الأمريكي، بشروطٍ مسبقة أو وفق المقترحات الأمريكية التي تقدم بها وزير الخارجية جون كيري.
وعنده أكثر من سببٍ وغاية لاستئناف المفاوضات، ليس منها الصدق والحرص على السلام، ولا الإيمان به وبحتميته أو ضرورته، ولا رغبة في استقرار الأوضاع في المنطقة، وتجنّب الحروب والويلات، ووقف أعمال القتل والتهجير والمعاناة.
بل إن أسبابه ودوافعه مختلفة، تقوم على قاعدة مصالحه، ووفق مكاسبه ومنافعه، وبما ينسجم مع استراتيجيته العامة، وتطلّعاته المستقبلية، التي تصبّ دوماً في صالحه، وتضرّ بالجانب الفلسطيني، وتعرض مستقبله للخطر والضياع.
الكيان الصهيوني يواجه أزماتٍ عديدة، ومشاكل كبيرة، ويمرّ في منعطفاتٍ خطيرة، وقد وقع في مطباتٍ كثيرة، داخليةٍ وخارجية، وسياسية واقتصادية، وأمنية ودبلوماسية، نتيجة سياسته الداخلية والخارجية، وعلاقاته البينية والدولية، واختلاف وزراء حكومته، واشتباكهم مع رئيسهم، وتحالفهم ضدَّه، ومعارضتهم سياستَه، واتهامهم وتحميلهم إيّاه مسؤولية الأزمة، وسبب الفوضى، وأنه مهتزٌّ ومرتعش، ومتردّد وخائف، ومتمسّك بالمنصب وحريص على السلطة، وغير قادر على إدارة الأزمة والخروج منها.
فاضطربت لذلك حكومته، وتعطّلت برامجها، وتنافرت أحزابه، واشتبكت أقطابه، واهتزّت لدى المجتمع الدولي صورته، وبهتت قوته، وضعفت إرادته، وانتاب شعبه الشكّ في قدرة جيشه، وإمكانيات أمنه، وقدرته على تحقيق الأمن والسلامة التي يتطلّع إليها مواطنوه، ويسعون إليها ويشكون من غيابها، ويتضرّرون من اضطرابها.
يعترف مسؤولون إسرائيليون كبار، ومفكرون استراتيجيون في الكيان الصهيوني أنهم ضعفاء رغم قوتهم، وأنهم يخسرون رغم تفوّقهم، وأن قوة جيشهم، وضخامة ترسانتهم، وأسلحتهم الحديثة المدمرة، وقدراتهم الأمنية والاستطلاعية لا تستطيع أن تجبر الفلسطينيين على الخضوع والتنازل، والقبول والموافقة، والتوقّف عن المقاومة أو المطالبة بحقوقهم.
كما أن سياستهم العدوانية لا ترضي الغرب والولايات المتحدة الأمريكية، التي ارتفع فيها الصوت المعارض لاستخدام القوة المفرطة، والرافض للمنطق الإسرائيلي الاحتلالي، الذي يصادر الأرض، ويعتدي على المقدسات، ويقتل المواطنين، ويعرقل مساعي السلطة الفلسطينية لبناء الدولة، وتشكيل المؤسسات، والنهوض بالاقتصاد، إذ ترفض دول أوروبا الغربية قيام الكيان الصهيوني بتفتيت الأرض الفلسطينية، وتمزيق لحمتها، وتقطيع أوصالها، ومنع تواصلها، لمنع تشكيل أي كيانٍ فلسطيني مترابط ومتصل.
الإسرائيليون يدركون أنهم يجدّفون هذه الأيام عكس التيار الدولي، وأنهم يعارضون الإرادة الدولية، ويتسببون في كثيرٍ من الأزمات والهزات، وأن المناخات القديمة التي كانت مهيأة لكيانهم قد تغيرت، وأن السياسات الدولية الراعية لهم قد تبدلت، وإن كانت ما زالت تحرص على وجودهم، وتضمن أمنهم، وتحول دون تعرضهم لخطر الحرب والزوال.
إلا أن المجتمع الدولي بدأ ينصت للفلسطينيين أكثر، ويستمع إلى شكواهم برحابة صدر، ويصغي إلى معاناتهم بحزنٍ وألم، ويبدي رغبةً أكبر في التفاهم معهم، والاقتراب منهم، وتقديم المساعدة لهم، والنهوض بهم، ورعاية مؤسساتهم، في الوقت الذي ارتفعت الأصوات الأوروبية المنادية بالضغط على الحكومة الإسرائيلية، وفرض عقوباتٍ عليهم، ومقاطعة منتجاتهم، والتوقف عن دعم مؤسساتهم، والامتناع عن دعم ومساندة مشاريع مستوطناتهم.
وبدا الصوت الأوروبي عالياً وصاخباً، ومؤذياً ومضراً، إذ رفع الإسرائيليون صوتهم بالشكوى عالياً، وقد شعروا بآثار المقاطعة، ونتائج السياسات الأوروبية المعارضة، والتي تمثلت أخيراً بالاعترافات الأوروبية المتوالية بالدولة الفلسطينية المحتلة، المحددة المساحة، والمعروفة الحدود، والمعلومة العاصمة، وقد جاء الاعتراف من دولٍ أوروبية قوية، كان لها فضلٌ كبير في تأسيس الكيان وتفوقه، وكانوا لها قبل الولايات المتحدة الأمريكية أكبر الحلفاء، وأخلص الأصدقاء وأقربهم إليه.
لهذا يعتقد الإسرائيليون أن مفاوضات السلام، وطاولة الحوار، والصورة التي تجمعهم برئيس السلطة الفلسطينية، أو مع مبعوثيه أو المفاوضين باسمه، ولو كانت اللقاءات شكلية أو وهمية، وظاهرية وغير حقيقية، أنها تنفس عنهم، وتخفّف من الحملات الدولية المعارضة ضدهم، وتظهرهم بأنهم يسعون للسلام ويحرصون عليه، وأنهم متفاهمون مع جارهم الفلسطيني، ويتحاورون معه على المستقبل، وآفاق السلام المشترك بينهما.
بل إنهم يجدون أن مراحل المفاوضات، وفترات الحوار تتيح لهم الفرصة لاستكمال مشاريعهم، ومواصلة مخططاتهم، والاستمرار في سياساتهم القديمة والجديدة، ولعلّهم في فترات الحوار قد تمكّنوا من بناء آلاف الوحدات السكنية، ونجحوا في توسيع المستوطنات، وبنوا المزيد والجديد منها، ونجحوا في اقتحام المسجد الأقصى، ودخلوا إلى ساحاته وباحاته، ووصلوا إلى صحن المسجد ومحرابه، وحقّقوا إنجازاتٍ ما كانوا يحلمون بها أو يأملون بتحقيقها في ظلّ الجمود والمواجهة، والقتال والمقاومة.
المفاوضات بالنسبة إلى الكيان الصهيوني سياسة استراتيجية، تقوم عليها كل مخطّطاته المستقبلية والآنية، وقد كان المسؤولون الإسرائيليون يدركون أن المفاوضات مع الجانب الفلسطيني ستكون طويلة جداً، وستستمر عقوداً من الزمن، كما صرّح بذلك اسحق شامير رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، خلال مشاركته في مؤتمر مدريد للسلام في نهاية أكتوبر من العام 1991، وكما يؤكد ذلك غالبية المسؤولين الإسرائيليين، الذين يتطلّعون إلى تغيير الواقع، واستبدال المعطيات، واختلال الموازين لصالحهم، وأنهم سيحقّقون بالمفاوضات أضعاف ما حقّقوه بالحرب، وأنهم سيكسبون المزيد على حساب الحقوق الفلسطينية، وربما برضاهم وموافقتهم، وبشهادة ورعاية الدول العربية، وضمانة وحماية المجتمع الدولي والدول الكبرى.
كان العدو الصهيوني يدرك يقيناً أن أيّ اتفاقٍ للسلام يبرمه مع الطرف الفلسطيني سيبقى حبراً على ورق، ولن يلتزم من جانبه تجاه الفلسطينيين إلا فيما يخدم أغراضه، ويصبّ في أهدافه، ولهذا فإنه سيستمر في سراب المفاوضات، ووهم حوارات السلام حتى يحقق ما يريد، ويصل إلى ما يتمنى.
في الوقت الذي سيجد الفلسطيني نفسه مجرداً من أية حقوق، ومحروماً من أية امتيازات، وممنوعاً من تحقيق أية مكتسباتٍ ولو كانت بسيطة، الأمر الذي يجعل من المفاوضات بالنسبة للعدو سياسة خداع دائمة، ورثها عن الآباء والأجداد عبر التاريخ، وحافظ عليها وعمل بها عبر كل العهود والعصور، فهل يواجه الفلسطينيون أبدية مفاوضات السلام الوهمية، وسراب الحوارات الزائفة، بسرمدية المقاومة الحقيقية، التي توجع العدو وتؤلمه، وتؤذيه وتجرحه، وتجبره على التراجع والخضوع، والاعتراف والقبول؟!.