متى يتخلص الشعب الفلسطيني من الاحتلال وتنصف حقوقه المشروعة
هل من المعقول أن يفلت حكّام إسرائيل في كل مرة من الجرائم التي يرتكبونها دون عقوبات دولية؟ ألم يحن الوقت لإنهاء مأساة الشعب الفلسطيني وإجبار ماكنة الشرّ الإسرائيلية على الانسحاب من الأراضي المحتلة بعد نكسة حزيران 1967؟ وإنهاء حالة الحرب واللاحرب التي ابتلت بها شعوب المنطقة بما فيها الشعب الإسرائيلي!
على ما يبدو أن الجواب الأول - نعم من المعقول في عالم اليوم ذو القطب الواحد والموقف الأمريكي البريطاني المنحاز بدون تردد إلا من تصريحات فقاعية سرعان ما تتلاشى في تقديم الدعم العسكري والمالي لهم تحت ذريعة حماية أمن إسرائيل ومحاربة الإرهاب بينما الكل يعرف أن حكّام إسرائيل هم الإرهاب الموغل بالجريمة والهيمنة على أراضي الآخرين بالقوة وبالدعم الأمريكي الواضح.
الجواب الثاني - لم يحن الوقت حتى يُباد هذا الشعب المناضل بينما الصمت الأمريكي والبريطاني والبعض من حلف الناتو سيبقى صامتاً متضامناً وداعماً لتوجهات الإبادة وفق نظرة حقوق الإنسان المتّبعة عندهم.
وإلا كيف يُفسَّر استمرارُ حكّام إسرائيل باحتلالهم الضفةَ والبقاعَ والقدسَ الشرقية وأراضيَ عربيةً على الرغم من المطالبة بالانسحاب منها وتسليمها إلى أصحابها الشرعيين لكي تقامَ الدولة الوطنية الفلسطينية وتحلَّ إشكاليات الحرب المستمرة، دولة فلسطينية وطنية تلتزم بالمعايير الدولية وقيام علاقات طبيعية مع إسرائيل نفسها لكي يتجنّب الشعبان الفلسطيني والإسرائيلي والمنطقة استمرار تزايد العنف والقتل والإرهاب والتسلُّح والتهديد المباشر للسلم في المنطقة والعالم.
إن حكّام إسرائيل، وعلى امتداد سنين طويلة وبعد حرب حزيران 1967 واحتلال فلسطين كاملة إضافة إلى أراضٍ عربية، لم يكونوا صادقين في توجّهاتهم لحلّ القضية الفلسطينية وإنهاء حالة العنف والإرهاب والاستعداد للحرب ثم التجاوز على حقوق الشعب الفلسطيني الذي احتلت أراضيه في الضفة والبقاع والقدس الشرقية، ونتيجة هذه السياسة الحمقاء دفعت بأطراف فلسطينية نحو التطرّف والعنف دفاعاً عن النفس في البداية، وبمجرد اقتراب حلّ حتى لو كان بسيطاً يقوم هؤلاء الحكّام بإيجاد مبرّرات لتأزّم الوضع والعودة للمربّع الأوّل وعلى الرغم من الانتفاضات الفلسطينية ومحاولاتٍ لحلّ القضية عن طريق المفاوضات بما فيها اتّفاق اوسلو العليل يقوم حكّام إسرائيل بوضع العراقيل وصولاً إلى شنّ الحروب بطريقة وحشية فيتم إفشال أيّ مسعىً لإنجاح المفاوضات مع الجانب الفلسطيني. الحروب التي شنّتها إسرائيل كثيرة ومتنوعة استعملت فيها كل أنواع الأسلحة حتى بالضد من المدنيين العزَّل، فهاهو الشعب الفلسطيني في غزة يعيش منذ أسابيع المجزرة الإسرائيلية وماكنة أسلحتها الرهيبة بصواريخها ودبّاباتها ومدرّعاتها وطائرات الأباتشي وطائرات الفانتوم الأمريكية الحديثة جدا وحسب التقارير الإحصائية فان القتل الذي حصل بالجملة حوالي أكثر من (1900) شهيد ومن بين هؤلاء الشهداء (430 طفلا و243 امرأة و79 شيخاً) وحوالي (9567) مصاباً جلُّهم من الأطفال حيث بلغ عددهم (2878) طفلا وأعداداً أخرى من النساء والشيوخ، فضلاً عن تدمير وهدم وتخريب العشرات من المحلات والمنازل والمساجد والمستشفيات والمؤسسات والمنشآت الصناعية والدور السكنية والتجارية والتعليمية وتعطيل شبكات المياه والكهرباء وتهجير مئات الآلاف من العائلات الفلسطينية البريئة تحت حجّة حماس وصواريخها التي أُسقطت أكثريتها بواسطة القبّة الحديدية التي منحتها الولايات المتحدة الأمريكية، وكان على الإدارة الأمريكية أن تقف ولو مرة في حياتها بشكل محايد على الأقل وتدين الاعتداء ولا تقبل بمبرّرات حكّام إسرائيل، لكنها تعلن دائماً حقّ إسرائيل في الدفاع عن نفسها، إلا أنها، ووفق ديمقراطيتها، لا تؤمن بحقّ الشعب الفلسطيني بالحرية وإقامة دولته الوطنية وإجلاء الجيش الإسرائيلي من أراضيه، لا يهتز لها ضمير ولا لغيرها من الأحبة والشركاء!! لآلاف القتلى والجرحى والمهجّرين والمعتقلين في السجون الإسرائيلية، فمنظمة حماس ومهما كان الموقف من سياستها عبارة عن منظمة محدودة الإمكانيات وليس دولة لها جيش جرار وأسلحة بمصافّ الأسلحة الإسرائيلية والأمريكية وغيرها، وعلى ما يبدو أن قضية حماس والأنفاق هي عكّازة يتعكّز عليها حكّام إسرائيل والإدارة الأمريكية وكان من الممكن تفادي قتل المدنيين وفق قنوات غير عسكرية ولا حربية وهي كثيرة لأن إسرائيل لديها علاقات دبلوماسية مع البعض من البلدان العربية وفي مقدمتها مصر، وقبل ذلك كان من الممكن حلّ القضية الفلسطينية مثلما أشرنا وأشار غيرنا بضرورة التزام حكّام إسرائيل بالانسحاب وعدم بناء المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية وفي الضفة المحتلة ورفع الحصار ثم الدخول في مفاوضات موضوعية لتحقيق قيام الدولتين وفق إشراف أممي ووفق آليات قانونية لا تسمح بالعودة للحرب والعنف والسلاح، إلا أن حكّام إسرائيل كانوا ومازالوا يفبركون حقوق الشعب الفلسطيني حسب رؤيتهم العنصرية ومصالحهم الأنانية، وبدلاً من خلق المناخ الصحي لإيجاد الحل الصحيح قاموا ببناء الجدار العنصري الفاصل وفسحوا المجال لبناء المستوطنات والاستيلاء على الأراضي وتجريف بساتين الزيتون وقطع أشجارها العائدة للفلسطينيين وبدون أي خجل يعلنون أنهم يرغبون في السلام والعيش بأمان مع الشعب الفلسطيني أو شعوب المنطقة بينما هم وفي كل يوم وكل ساعة يخططون باتجاه التجاوز على حقوق حتى فلسطينيي 1948 الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية.
لقد كانت أيام الجحيم الذي خطط لها نتنياهو وحكومته وقام بها الجيش الإسرائيلي خلال (29) يوماً في قطاع غزة تضاهي ما قام به جيش وجستابو هتلر النازي إبّان الحرب العالمية الثانية وأكثرية الشعب اليهودي مازالت ذاكرته طرية ويتذكر تلك المجاز النازية، ويقارنها اليوم مع ممارسة القتل الجماعي والفردي وقذائف الجحيم التي لم تفرّق بين موقع وآخر وأكثرية المواقع المنكوبة كانت مدنية يسكنها فلسطينيون عُزَّل وهو دليل على ساديّة الحكّام الاسرائيلين وفي مقدمتهم نتنياهو الذي يراهن على تدمير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم وطردهم من مساكنهم وهو الذي صرّح بشكل وقح ولا إنساني حول الوضع في غزة بالقول أنها، أي الحرب، "ستستمر حتى تحقيق أهدافها، وهي استعادة الهدوء والأمان للمواطنين لفترة طويلة، مع إلحاق ضرر ملحوظ للبنية التحتية للإرهاب، مهما طال الزمن، ومهما كانت القوة التي يجب أن نستخدمها بعد إتمام العملية ضد الأنفاق"!! فهل حقّق نتنياهو ما ذهب إليه وقضى على مقاومة الشعب في غزة؟ وهل تحقّق له الهدف بطرد حماس منها؟ نشكّ بذلك لأن الشعوب التي تدافع عن حقّها في الحياة والحرية والاستقلال لا يمكن منعها من نضالها المشروع لا من قِبَل نتنياهو ولا من إي عنصري دكتاتوري معادٍ للإنسانية. أما قضية حماس أو غيرها فهي ليست كل الشعب الفلسطيني وتعتبر مجرّدَ جزءٍ صغيرٍ جدٍ منه، فكان أفضل طريق الدخولُ في حوار موضوعي وخلق قاعدة للثقة والتفاهم مع الحكومة الفلسطينية وغيرها لإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية وانسحاب الجيش الإسرائيلي من جميع الأراضي التي احتلت بعد 1967، وبهذا لا يرتاح ولا يستقر ويعمّ السلام والأمان للشعب الفلسطيني فحسب بل أيضاً للشعب الإسرائيلي وشعوب المنطقة بشكل عام.
اليوم، وبعد التهدئة أو ما يسمى الهدنة، تدرس الأمم المتحدة والبعض من المنظمات الدولية والعربية تقديم المساعدات اللازمة لإعادة ما خرّبته ماكنة الشر الإسرائيلية في غزة، لكن يبقى السؤال الأبدي في ذهن العالم المتمدّن والموجّه للذين يبحثون عن تقديم المساعدة المادية:
ــــــ من يعوض الخسائر البشرية ويعيد للحياة لحوالي (2000) شهيد فلسطيني ويضمن ألا يموت أو يعاقَ إلى الأبد حوالي (10000) فلسطينيٍّ مصابٍ جرّاءَ ماكنة الشر الإسرائيلية؟.. ـــــ ألا يعتبر ما قام به حكّام إسرائيل ويقومون به الآن في غزة جرائم حرب بحق المدنيين ويجب أن يطالب المجتمع الدولي مجلس الأمن بفرض العقوبات على الأقل فيما يخص جرائم الحرب؟ ــــ هل يصدَّق ما كتبته الصحفية الإسرائيلية "سمدار بيري" في صحيفة (يديعوت أحرونوت الأحد 3 / آب / 2014) " لم يسبق أن كان تنسيق شامل حميم بهذا القدر بين الشركاء! وإذا كنا سننجح في الطريق بتصفية محمد الضيف ونائبه وستة من قادة القسام بالمناطق في غزة فإن الربح سيكون لنا".
إي شركاء تقصدهم الصحفية الإسرائيلية سمدار؟! وهل إلحاق الهزيمة بحماس أو نزع سلاحها بالقتل الجماعي والفردي لآلاف من الشعب الفلسطيني وهدم دورهم وتدمير حياتهم واقتصادهم ودفعهم للهجرة لأن الشركاء يختلفون مع سياسة حماس أو القسام أو غيرهم.
لقد حان الوقت لإيجاد الحلّ الصحيح للقضية الفلسطينية وعلى حكّام إسرائيل ان يقتنعوا من تجربة الحروب والعنف الموجه ضد الشعب الفلسطيني لن يجدي ولا ينفع بل الاقتناع بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها في عام 1967 والاقتناع بإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية، وعلى قادة حماس أن تفكر بمصلحة الجماهير الفلسطينية وتوحّد جهودها مع الفصائل الفلسطينية التي تناضل لتحقيق مطالبها العادلة بما فيها إقامة الدولة الفلسطينية على أسس تحقيق السلام وإقامة العلاقات الطبيعية مع دولة إسرائيل وعلى مجلس الأمن والأمم المتحدة أن تقف بحيادية لحلّ هذه القضية المعقدة.