الأرواح ليست أعشابا ضارة للقلع
هل أنت تتنفس؟ هل تناولت إفطارك هذا الصباح؟ هل تناولت قهوتك وأنت ترتدي نصف ملابسك، بينما صوت فيروز ينزع عن بعض ذكرياتك قشرتها الشفافة الواهنة؟.
هل تضامنت إلى أعضائك الحيوية.. قلبك في الجهة اليسرى للصدر، لم ينقلب بعد على نبضاته.. عيناك في رأسك تصوّبان نظرهما إلى أشغال الحياة اليومية.. أذناك تلتقطان الأصوات المتناثرة، وهي تتطاير من مصدرها، كقدح شرارة قاطع حديد كهربائي.. هل فرغت جيوبك من قسمتها ونصيبها من بيت مال المعذبين؟ "أولست قَدَريا يا رجل!؟ ".
هذه الأسئلة البسيطة، ليست لنخبرك عزيزي السوري، المشغول بألف معضلة يومية مرهقة، تلهيك عن شراء الجريدة اليومية، "ربما لهذا السبب بالذات أخاطبك!!" عن برجك لهذا اليوم، تقلباته الفلكية.. انحداره المخيف من برج الحمل، إلى برج الذئب وبالعكس، العاطفة مشبوبة وربّ العمل يحبك. أبداً هي ليست لذلك.. كما أن هذه الأسئلة ليست لإجراء تخطيط شامل لدماغك وكشف خباياك الطيبة والشريرة، ومعرفة نواياك لهذا اليوم، "لماذا فزعت من هذا الإجراء وكأنه حديث العهد على فخامتك؟".
إنها ليست لذلك أيضا "إهدأ الآن"، إنها ببساطة للقول لك: إن كانت إجاباتك على كل ما ورد من أسئلة بكلمة "نعم" فلا تكن مطمئناً تماماً للايجابيات التي تعتقد بوجودها في شخصك الكريم، ما أريد قوله: إجاباتك "القطيعية" تعني بالتأكيد أنك على قيد الحياة.. ولكن لحدّ الآن فقط.. نعم لست على قيد الحياة تماما، فأنت تسير وتشعر بخدر لذيذ في إطرافك، على شعرة الحياة الدقيقة، وليس على قيدها، أنت مشروع خبر سوري عاجل، تبثّه الشاشات الوطنية، وهي تحتفي بثيابك الحمراء القانية الجديدة، فيما أحبابُك، يطلبون للملائكة أن تترفّق بحالك، لأنك والله كنت ابن حلال ودرويش وقلبك لله "مناقبك اللطيفة التي نادرا ما كنت تسمعها وأنت تتنفس الهواء الزائل ".
أنت فكرة طائشة بين النوعيين السوريين من نُظارك وهم يشدّون لحاف يومياتك المتهرئ لتنضم إلى أحد هذين النوعيين الذهبيين اللامعين بشدة عن باقي الأنواع السورية "السوبر ديلوكس"، مندسّ أو شبّيه.
حتى الأعاجم.. صاروا عندما يرطنون بأسماء السوريين في أحاديثهم اليومية المعتادة، بأعمالهم الوظيفية والبيتية، أو وهم يتناولون الـ"كوفي" الممزوجة بالكونياك لينشّطوا خلايا كرامتهم اليومية، "لماذا استغربت عزيزي السوري واندهشت من كونك حديث العالم؟! يا رجل صرنا فرجة شو مفكر حالك قليل"، إنهم يسمّونهم هكذا، بلكنتهم المواربة "سيريان مونداس، سيريان شابيه" وترجمتها بالدارج "سوري مندس- سوري شبيح".
البعض الكثير من البعض الكثير أيضا، سوف يقولون لي وهم يقرؤون هذا الكلام: لماذا تعيدنا إلى تلك الذكريات "المعتة"؟ كنا قد نسينا بعد جهد جهيد، ما تشرّفت حضرتك بكل برود لتخبرنا به وكأننا لم نذق الأمرَّين من تبعاته.
سأخبركم لماذا أعود إلى هذا الموضوع الـ"مْعِتّ" كما تفضّلتم: البارحة أخبرني صديق نكتة من وحي الأزمة السورية، من طرائف الأزمة السورية الدموية، تقول النكتة متسائلة: ما هي أكثر الوجوه براءة في سورية اليوم؟
الجواب: وجه الطفل ووجه سوري لا يحمل هويته الشخصية يقف على حاجز.
المفروض أن اضحك على الكلام السخيف الذي ورد في النكتة السورية الجديدة، أليس هكذا يقول منطق اللباقة والإيتِكيت على الأقل: إضحك على النكتة حتى لو لم تعجبْك، كي لا تحرِج راويَها.
هكذا يقول المنطق نعم، لكني عوضا عن ذلك انخرطت في نوبة بكاء مخجلة، أمام الأشخاص الموجودين معي ومع الصديق "النكتجي"، حتى أن الرجل أصيب بالارتباك والحيرة، وبدأ يبرّر ما لا ذنب له فيه، "كعادتنا، نحن السوريين، في العديد من مسالك حياتنا اليومية" تبرير للعمل، تبرير للدائنين، تبرير للإله، تبرير للحزن الذي يتنزّه بأمزجتنا على ظهر دراجة هوائية"
انهلت على الرجل كجلمود صخر حطه القهر من علِ، مبرّرا أيضا سبب ثورتي على نكتته "كعادتنا.. أفلا تتذكرون؟"، قائلا له: على ماذا تريدني أن أضحك؟؟ على كل ذلك الوجع الصاخب، الذي تفتقتْ عنه سماجتُك؟ هل تريدني أن أضحك لأنني لم أعد أعرف صديقي من عدوي؟!.. وانتبهْ، كلمة صديقي لا تعني من نشأت علاقة صداقة بيننا منذ مدة طويلة، مرّتْ بكافة عقبات تبدُّل الأمزجة وتقلّبات العواطف العنيفة، حتى وصلت بهذا العمر، إلى صداقة شبه خالدة، لا شيء بشري أو طبيعي ينال منها.
ليس عن هذا الصديق أخبرك، الآن بتُّ أرى صديقي هو من لا يقتلني فقط، صديقي الآن هو من يمرُّ بجانبي ولا يلقي علي السلام، لا أراه ولا يراني، إلا هكذا.. مرورا عابرا لمتجاورين في السير صدفة، ذكرى غائمة لصورتي – لصورته، في خيالاتنا عندما نلتقي في طابور يقف على فرن خبز مثلا، تدخّل أحد الجالسين وأدلى بدلوه متعاطفاً معي وقال: "يا رجل يكفي أن تشاهد مسلسلَين دراميَّين سوريَّين لهذا الموسم لتصاب بالجلطة". ثم صمتَ نهائيا حتى أخر الجلسة بعد أن نظرتُ إليه أنا وصاحب النكتة نظرة قاسية، كأنها تقول له: أن اصمتْ، لم ينحدر مستوى الحديث لهذه الدرجة بعد. ثم تابعت خطبتي المجيدة: هكذا صرت الآن أرى الأصدقاء، لأسباب عديدة، سأذكر لك شيئا منها: عندما أنهض صباحا وأرتدي ثيابي وأنا اشرب القهوة وأستمع لفيروز، فأنا أدرك تماما أنني لست بخير، ولست مطمئنا لأنفاسي، أخرج من البيت مودِّعاً أبنائي وأهلي وكأني أراهم لأخر مرة. هل يستطيع أحدكم اليوم أن يجزم بعودته إلى البيت، وكيف يقدر على ضرب موعد لـ"بعد ساعتين"! لا أفهم.. كأن من يفعل ذلك لا يعيش في سورية يا حبيبتي بل في جزر القمر، إن ضمنت عدم وجود قنّاص ينتظر طلّتك البهية بفوارغ الرصاص، فهل تضمن سيارة تقف ببراءة مثلها مثل كل السيارات غيرها، إلا أنها تخبّئ لمرورك السعيد بالقرب منها، مفاجأة من العيار الثقيل، بكل ما يحمل هذا الوصف من معنى، وهل هناك مفاجأة أبلغ من الموت؟ حسنا إن أنت أمنت جانب ذلك أيضا، هل تستطيع أن تضمن أن لا تنفجر كما ينفجر "قطرميز" بجانب المدفأة، وأنت تحاول كذئب ضالّ أن تبقى وأهل بيتك على قيد الحياة بسدّ الرّمق فقط لا بغيره. هل يوجد وقت للصداقات الآن وأنت تحاول أن تنجو باليوم الواحد فقط من ألف لغم ولغم، هل ألغام تلاعب التجار بقواتنا اليومي لا يميت مثلا؟.
الصداقة ترفٌ باهظ الآن. "الأصدقاء الذين ربّيناهم بالغفلة، فقدناهم في الصحو" شعر ضروري.
قلت لصديقي المرتبك الأعزب، "ربما هذا هو السبب الحقيقي لحقدي عليه في تلك اللحظة": هل تعرف بأني أفكّر جدّيا ألا أرسل طفلتيّ إلى المدرسة، ليس بسبب السعر المادي الجهنمي لهذا الترف السوري الجديد "عملنا جمعية بتكسر ضهر الراتب لعام تقريبا ومشي الحال"، بل لأنني لا أريد أن أزيد عذاباتي اليومية، بإعطاء الموت الفوضوي صدفة "الله يرحمك يا داريو فو"، احتمالات أكثر لينال مني، لا أريد للأحمر العاجل أن يزفّ نبأ موتي أو أحد أحبائي، هل أنا أنانيٌّ بسبب هذا التفكير؟ نعم أنا أنانيٌّ وبشدة، الموت ليس مزحة، الأرواح ليست أعشابا ضارة للقلع، الناس غوالٍ وليسوا بهذا الرخص، ثم ماذا يدريني وماذا يؤكد لك، كيف أفكر أنا بك وكيف تفكر أنت بي!!، أليس من الجائز أن نكون نحن الإثنين، اللذين نعرف بعضنا منذ مدة زمنية لا بأس بها، أليس من الجائز، أن ننهال على بعضنا سرا بالقذف والشتم، بينما نبتسم في وجهَي بعضنا البعض؟ أليس من المحتمل، أن نسمع صوتينا وهما يرطنان بلكنة عجيبة، نصيح بأصوات خافتة لبعضنا البعض عَ قولة أسعد خرشوف "سيريان منداس- سيريان شبّيه"؟!
أليس من المحتمل لهذه الأمور أن تحدث في الزمن السوري المستمر؟ لماذا تستغربون يا سيريا........