فقه تفسيرات قصف الطائرات
سألني أحدهم، وكنتُ جالسا ضمنَ مجموعة من الجالسين:
لماذا قصفتْ الطائراتُ الإسرائيلية، قبل قليل المبنى السكني الزجاجي الكبير الواقع في وسط غزة؟
لم ينتظر الجالسون جوابي، كأنهم كانوا ينتظرون الفرصة لعرض تفسيراتهم، فاشتبكوا في معركةٍ لفظيةٍ، وشرعوا ينحتون الإجابات التالية:
الأول: "لقد قصفوا البرج الكبير، لأن القاطنين فيه هم من قيادات المقاومة، ممن اعتقدوا بأن المكان سيكون آمنا لهم"
الثاني بحِدَّةٍ:
لا... هذا ليس صحيحا، لقد قصفوه عدة مرات لتدمير أجهزة الإرسال المنصوبة فوقه، انظروا فإنهم يدمرون كل ما هو عالٍ.
وتدخَّل متحدثٌ ثالث مستهزئا بأقوال سابقَيه:
"أنتم لا تعرفون تكتيكات المخابرات الإسرائيلية؛ إنهم يقصفونه حتى يُهجَّروا مَن فيه، ويُخرجونهم من مكمنهم، ويتتبعون آثارهم، واحدا وراء الآخر"
وقال رابعٌ ساخرا:
كلٌّ تفسيراتكم ليست صحيحة، فالمبنى فارغٌ، وليس مسكونا، وليس مقرا للمقاومين، بل قصفوه لأن صورته جميلة، وهم يريدون إزالة الجمالَ كلَّه عن وجه غزة!!
وقال خامسٌ، مُنْكِرا كلَّ أقوالهم:
"إنهم يقصفونه عدة مرات لأنه يقع في وسط المدينة، وهذا يُثير ذُعر السكان، ويجعلهم قلقين خائفين، هم وأطفالهم، وهذا يدفعهم للتفكير في الهجرة من غزة!!
وقال سادسُ مخالفا:
"إنهم قبل القصف يتَّصلون بصاحب المبنى لإخلائه فورا، فصاحبه يعرفُ السبب"!!
نسي صاحبُ السؤال، أنني لم أُجبْ على سؤاله، وأنه وجَّه السؤال أولا إليَّ، كان راغبا في إسكات معركةٍ لسانية بين المتحدثين السابقين فقال:
صحيح لم نسمع تفسيرَك لقصف هذا المبنى الكبير؟
قلتُ:
إن مديري أجهزة مخابرات إسرائيل نجحوا بالفعل فيما يقومون به من أفعال، فقد جعلوا من القنابل التي قصفوا بها المبنى مثارا للنقاش والجدل والخلاف، ليس الخلاف الذي يُثري النقاش، بل الخلافُ الموصلُ للعُنف اللفظي، وجعلوا من الدمارِ وإبادة العائلات جدلا فقهيا لتعزيزِ الإحباطِ والقهرِ والكبت، والغضب والعنف.
كما أنهم أيضا، نجحوا في دعاياتهم الأزلية، وهي أن القصفَ الذي ما يزال جاريا حتى هذا اليوم، لكل شيء في غزة 2/8/2014، قصفٌ مبرمجٌ وفق التكنلوجيا، التي لا تُخطئ أبدا، فهم يقصفون –حسب زعمهم- مواقع إرهابية!!
وهم كذلك يهدفون إلى ترسيخ دعايتهم، بأنهم لا يقتلون المدنيين، فهم يتصلون بعيِّناتٍ من الأفراد، لغرض الدعاية فقط، يُنذرونهم قبل قصف بيوتهم، أو بيوت جيرانهم، لينشروا هذه الأخبار، حتى يُرسِّخوا دعايتهم: بأن جيش الاحتلال، جيشٌ مُنصفٌ عادلٌ!! وفي الوقت نفسه، وفي المكان نفسه، يُبيدون بقنابل طائراتهم أسرا فلسطينية بأكملها، الرجالَ، والنساءَ، والأطفال، وهم نائمون على أسرتهم، بدون أن يُنذروهم!!
وهكذا، هم يجعلون هذه الإبادة للأسر الفلسطينية ملفّا مُثيرا للجدل والخلاف بيننا، للتعمية على ممارساتهم الإرهابية، بعد أن نجحوا في إنامتنا وإنامة العالم قانونيا، وجعلوا مُعظم دول العالم تَغضُّ النظرَ عن أبشع جرائم التاريخ، وذلك حينما تَقتل طائراتُهم، الفلسطينيين المدنيين الآمنين على الأرض، بدون محاكمة أو قانون، ثم تفتخر بذلك، بأنها قامت بتصفية (خلايا إرهابية)!!
أما نحنُ فما نزالُ نحافظُ على تقاليدنا نفسِها:
حينَ نؤبِّنُ شهداءنا بخُطَبٍ بلاغيةٍ رنانةٍ، فورَ سماعنا أخبارَ قتلهم، ثم نحتسبهم عند الله شهداءً، ثم نحولهم بعد أقلَّ من ساعةٍ من الزمن إلى أرقامٍ، تُضافُ إلى سجلاتنا الرقمية!!