حين يصير المحتل مدافعا عن النفس
ما أصعب الكتابة في زمن يسقط فيه الأطفال ضحايا لعدوان لا يتوقف، ويدّعي منفّذوه انهم في حالة الدفاع، متّهما الضحية بالعدوان، متناسيا ان عدوانه متواصل بأبشع صورة وأبشع وسائل وأرذل أخلاق عرفتها البشرية في تاريخها.
لست من مؤيّدي حماس وفكرهم وأساليبهم، ولست من مؤيّدي طرق النضال العنيفة في مواجهة آلة عسكرية تعجز عنها كل الجيوش العربية، ربما يسمي البعض هذا التحدّي بالبطولة، انا لا أرى بالانتحار بطولة، انا لا أرى بدفع مئات آلاف المواطنين العزّل لمواجهة آلة حربية متوحّشة الا تورّطا. ليس هذا وقت بحث دوافعه ومبرّراته. رغم ذلك انا لست حياديا عندما أرى شعبي يذبح كالنعاج، أطفاله ونساؤه ورجاله يُحرَقون ويُشوَّهون ويُقتَلون بلا رحمة، امام عالم ينسى ان العدوان الإسرائيلي لم يبدأ بإطلاق حماس او غيرها بعض القذائف كتعبير عن واقع أشد إيلاما من الموت. عن حصار تجويع ومنع تطوير البنى التحتية، عن حصار يمنع الشروط الأولية لحياة البشر في القرن الحادي والعشرين. حصار لمجتمع كان تحت احتلال إسرائيل لفترة نصف قرن قبل ان يتركها أرضا خرابا، سرق ثرواتها الوطنية من مياه وأراض لحساب مستوطنيه قبل ان يقرر الانسحاب، ترك القطاع بلا فرص عمل، بدون خدمات طبية مناسبة، الجوع والحرمان هو واقع المواطنين وهو المستقبل الوحيد لأطفال غزة الذي لم "تحاصره" إسرائيل.
عدد كبير من سكان القطاع عملوا "مرغماً أخاك لا بطل" في مزارع المستوطنات التي أقامها المستوطنون على الأراضي المصادرة من ابناء غزة وكذلك في أعمال البناء داخل المستوطنات. انسحاب إسرائيل بالشكل الذي جرى، وبدون إعداد جاهزية اقتصادية مناسبة، يمكن ان يفسر ايضا كضربة اقتصادية لأبناء القطاع، جعلتهم اكثر فقرا وبؤسا، خاصة بعد فرض الحصار وإيقاف مشاريع تطوير القطاع.
هنا جذور ما تسميه إسرائيل "عدوانا من حماس"!!
من جهة اخرى، اتفاق المصالحة بين فتح وحماس وإقامة حكومة وحدة وطنية، رغم شكلية المصالحة والحكومة، الا ان هذه الخطوة أثارات مخاوف إسرائيل وقامت بجهود كبيرة، تحريضا وضغطا على السلطة الفلسطينية وابو مازن شخصيا لفضّ الاتفاق، من معرفتها ان الاتفاق، حتى الشكلي، يغير من المعادلة السياسية التي تبرر فيها إسرائيل استمرار حصارها وتنكُّرها للحق الوطني المشروع للشعب الفلسطيني بالتحرر من الاحتلال، مما يعطي للمفاوض الفلسطيني حق الحديث وتمثيل كافة قطاعات الشعب الفلسطيني وهو أمر ترفضه إسرائيل قطعيا... من موقفها الرافض أصلا لأي حلّ يقود الى دولة فلسطينية مستقلة!!
هنا الموضوع الأساسي وليس اطلاق حماس او غيرها لبعض القذائف، كرد فعل على عدوان احتلالي متواصل، كل ما تغير هو شكل الاحتلال، من احتلال مباشر الى احتلال حصاري خانق أبشع من الاحتلال المباشر. هذا ما يجب ايجاد حل دولي له، وهو من جذور المشكلة وليس صواريخ حماس. طبعا دون تجاهل إقفال زعامة إسرائيل اليمينية لآفاق إقامة دولة فلسطينية مستقلة، حتى مع مفاوض مثل الزعيم الحالي للسلطة الفلسطينية محمود عباس الذي وصفه رئيس دولة إسرائيل شمعون بيريز بانه "أفضل شريك للدولة العبرية منذ قيامها عام 1948... وأن أبا مازن زعيم شجاع، وأنه لم يصادف طيلة حياته زعيماً يطلق تصريحات بهذه القوة أمام الجمهور العربي في السعودية، مضيفاً انه زعيم عظيم ولا ينبغي إهدار فرصة تحقيق السلام معه".
لا أبرّر قصف مواطنين إسرائيليين عزّل ولا أرى فرقاً بالألم الانساني. لكني لا يمكن ان أفهم إدانة شعب يريد التحرر من الاحتلال وحصاره وبناء دولته المستقلة بالعدوان، حسب مختلف التصريحات الغربية التي تناقلتها وسائل الاعلام. كنت سأفهم مطالبة حماس بوقف قصفها مقابل رفع الحصار القاتل عن القطاع. ان أي حلٍّ آخر سيكون حلاّ مؤقتا، حتى الانفجار القادم.
أفهم جيدا ان توسيع العدوان على القطاع، بمعنى اقتحامه واحتلاله يحتاج الى ضوء أخضر أمريكي (ربما هذا ما قصده رئيس حكومة إسرائيل نتنياهو حين قال لشريكه وزير الخارجية ليبرمان الذي يضغط لاحتلال غزّة ان عليه اولا ان يحضر اجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية - الكابينيت)، حسب مفاهيمي وقناعاتي، العائق هو الضوء الخضر.. ولكنه سيكون ضوءاً لفترة قصيرة.. هذا اذا تخاذلت الدول العربية وربما تركيا ودول أخرى أيضا في الضغط على الادارة الأمريكية لمنع تدمير غزة بالكامل ولمنع مشاهد مرعبة، بدأت تثير رأي اصحاب الضمير وحقوق الانسان في مختلف دول العالم، ضد إسرائيل ورعاتها الغربيين، هذا المشهد لم يغب عن ذهننا من المشاهد المرعبة في الجولة السابقة!!
فهل سنشهد تطورا في المواجهة في الأيام القادمة، والى أي مدى ستتحمل الادارة الأمريكية استمرار تغطيتها للعدوان الإسرائيلي أمام المشاهد المرعبة التي بدأت تنتشر في وسائل الاعلام وعلى الشبكات الاجتماعية؟!
nabiloudeh@gmail.com