ترنح المصالحة بين الدوحة ورام الله
في مخالفةٍ صريحةٍ وواضحة لما تحدث به خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في اللقاء الخاص الذي أجرته معه فضائية الجزيرة، الذي أكد فيه على أهمية المصالحة ووجوبها قبل عملية الخطف وبعدها، يطلع علينا بين الحين والآخر متحدثٌ قادمٌ إلى الدوحة، ووافدٌ إليها، طال غيابه واختفاؤه، ثم جاء متأخراً على عجل، مشمّراً عن ساعديه، مهرولاً يكاد يتعثّر، يسابق الزمن، حاملاً صفيحة بنزينٍ كبيرة، وبيده أعواد ثقابٍ كثيرةٍ لا تخطئ، ونيةً لإشعال نارٍ تلهب.
يتعثّر في كلماته، ويتناثر الزبد من بين شدقيه، محاولاً تعويض ما فات، واستدراك ما خسر، واستغلال الفراغ، وامتناع أصحاب الشأن من المتحدثين، الذين لا تنقصهم الخبرة، ولا تعييهم الكلمة، ولا يشكون من إنعدام الوسيلة، ولكنهم يصمتون حكمةً وحرصاً.
يأتي منتهزاً الفرصة، ومستغلاً الظرف، ليقتنص الطريدة، ويحوز على السبق، فيطلق تصريحاتٍ سلبية، وأخرى تشاؤمية، ينعي فيها إلى الشعب الفلسطيني المصالحة، ويبشره بالعودة إلى أيام الفرقة والإنقسام، التي لم يبرحها بعد، ويصب جام غضبه هنا وهناك، محللاً مزبداً، ومستقرئاً ناقماً، ومهدّداً معربداً، مستغلاً الأبواق التي مازالت ميسّرة، ومستفيداً من وسائل الإعلام القريبة والصديقة، محاولاً دقّ أسافين الفرقة، ومسامير الانقسام المقيتة من جديدٍ.
ينفر بتصريحاته، ويشوه المصالحة بكلماته، غير عابئٍ بالمواطنين الذين يتطلعون إليها، وبالأهل الذين طال انتظارهم لها، ووقفوا في الشوارع والطرقات مرحبين بها، فقد نفضت جيوبهم، وأفلست بيوتهم، وجاع أطفالهم، وتأخّر زواج أبنائهم، وتهدّمت بيوتهم ولم تعمَّر، وتبعثرت شوارعهم ولم تعبَّد، ومرضت أجسادهم ولم تعالج، وسكن المرض أجسامهم وعيي عن الخروج منها، ومازالت شكوى المواطنين في ازدياد، وكل آمالهم معلقة على مصالحةٍ هشّةٍ، ضعيفةٍ مهزوزة، مترددة خجلى، جاءت على استحياء، وفرضت لحاجاتٍ ومصالح.
لا يكتفي القادم إلى الدوحة من غيرها، بنعي المصالح، وتبشير الشعب بمزيدٍ من الجوع والمرض، والبطالة وقلة العمل، فضلاً عن التشرذم والتمزّق، والكثير من اليأس وفقدان الأمل، بل يقف ناطقاً عسكرياً، ومحللاً من أرض المعركة، ينقل أخبار المستوطنين الإسرائيليين الثلاثة المختطفين، ويستعرض كيفية اختطافهم، وكيف استدرجتهم المقاومة، وساقتهم إلى أماكن قصيةٍ نائية، ويتحدّى أن يتم اكتشاف أمرهم، ومعرفة مكانهم.
بينما يؤكد العسكريون والمهتمّون على الامتناع عن التصريحات والتهديدات، نجده يكثر من التصريحات التي تستفز، وكأنه أحد أفراد الخلية التي نفذت العملية، أو ناطقٌ باسمها قد عين، في الوقت الذي يحرص فيه الجميع على الصمت، فرحين بالعملية، مباركين الأيدي التي قامت بها، مدركين أنها لا زالت في ساعاتها الأولى، والمنفذون الذين لا يعرفهم أحد، قد نجحوا في الاختفاء والابتعاد، ولم يتركوا أثراً وراءهم، أو أي علامةٍ تدل عليهم، ولا ما يدل على انتمائهم وميولهم، لئلا يسهل على العدو متابعتهم، أو تضييق دائرة البحث عنهم، ما يمكنه من معرفة مكانهم، ومداهمتهم فيه، أو إنزال جام غضبه على أهلهم وأسرهم.
وفي رام الله يوجد أمثاله الكثير، ممن يشابهونه فكراً ونية، وأسلوباً وطريقة، ينعون إلى الشعب الفلسطيني المصالحة، ويبشرونه بأنها ماتت، أو أنها ولدت ميتة، ولا أمل في استعادتها أو استنقاذها، ولا سبيل إلى إحيائها أو إنطلاقها من جديد.
إنهم وإن اتفقوا في عدم حرصهم على مصالح الوطن، وعدم اهتمامهم بحاجات المواطنين، وآمال شعبهم الذي اكتوى بنار الفرقة والخصومة، إلا أن لكلٍ منهم طريقته وأسلوبه في نعي المصالحة، وإعلان خبر وفاتها.
السلطة الفلسطينية تنعي المصالحة رسمياً، وتعلن انتهاءها نظامياً، من خلال تمسكها بالتنسيق الأمني، وتأكيدها للجميع أنه مقدس، وأنها ماضيةٌ فيه أياً كانت الظروف والأوضاع، وأن ضباطها وأجهزتها الأمنية في الضفة الغربية لن يتراجعوا عن تعاونهم، وسيستمرون في تقديم كل المعلومات الممكنة للعدو الإسرائيلي، ولو أضرت بالشعب وأساءت له.
وفي الوقت نفسه يتأخّر رئيسها عن الالتزام ببنود المصالحة، خاصةً لجهة رواتب الموظفين في قطاع غزة، إذ تعمّد تأخيرها، أو قصد منعها، وهو يعلم أن سكان قطاع غزة يتضوّرون جوعاً، ويقاسون ألماً، ويشكون ضيقاً وحصاراً، وهم يتطلعون إلى المصالحة لتخفّف عنهم، وترفع بعضاً من العبء الملقى على كاهلهم، وهو ما لم تردّه السلطة الفلسطينية بتقاعسها وامتناعها، أو إهمالها وقصدها، إذ ما الذي يمنع استلام شيكاتٍ مرصودة لقطاع غزة، ومعدة من قبل لموظفيها، وجاهزة باسمهم منذ توافق الفرقاء على المصالحة.
أما الناطقون باسم السلطة وهم كثيرٌ، ولهم أبواقهم ووسائل إعلامهم، وعندهم من يساعدهم ويروّج لهم، فإن بعضهم لا يختلف كثيراً عن هذا القادم عبر الدوحة، ولا يمتازون عنه في شيء، فهم ينعون المصالحة ويعلنون فشلها، تارةً بالتشكيك في نوايا غزة، وأحياناً بإثارة أخبارٍ ملفقة، ومعلوماتٍ كاذبة، عن خلافاتٍ واختلافاتٍ في صفوف غزة.
أو يدّعون أن الحكومة السابقة في غزة لم تفِ بالتزاماتها، ولم تنفّذ المطلوب منها، وأنها ماضية في قبضتها الأمنية، وممارساتها الإدارية، إنهم يروّجون كذباً، ويشيعون زوراً، ويتعمّدون أن يخلقوا الشكّ والريبة بين أبناء شعبنا، ذلك أنهم لا يريدون للمصالحة أن تمضي، لمصالح خاصة بهم، ولمنافع كثيرة تتحقق لهم بالانقسام، وتنعدم في حال المصالحة والإتفاق.
قبل أن أدعو هذا الفريق الذي لا تعنيه المصالحة في شيء، ولا تتوافق مع مصالحه، ولا تتّفق مع منافعه، لأن يكفّ أطرافه عن هذا النعيق، وأن يبحثوا عن مفرداتٍ تجمع، وكلماتٍ ترقّ لها القلوب، وتستجيب لها النفوس، وأن يسعوا لرأب الصدع، وتقريب وجهات النظر، وتذليل العقبات، وإزالة الصعاب من الطريق.
فإنني أدعو وسائل الإعلام الوطنية المحترمة، أن تدرك دورها، وأن تعرف واجبها، فلا تنقل مثل هذه التصريحات، ولا تشيع مثل هذه التشكيكات، ولا تفسح مجالاً على صفحاتها أو عبر فضائها لأمثالهم، وألا تكون أبواقاً لكل من أحب الكلام، ولا منبراً لكل من استحسن صوته، واستعذب كلماته، بينما هي فاحشةٌ مستنكرة، عقيمةٌ خبيثة، وغريبةٌ مستقبحة.