الإعلام العربي في اسرائيل عبر تجربة "إذاعة الشمس"

نبيل عودة قرأها 1,219

 الإعلام العربي في اسرائيل عبر تجربة "إذاعة الشمس"

إذاعة الشمس أوجدت مساحة جديدة من الإعلام المميز الذي يخترق أدقَّ التفاصيل بجرأة وقوة، مع مجموعة اعلاميين عرب من المستوى الممتاز، مثل زهير بهلول، جاكي خوري، مصطفى شلاعطة ونبيل سلامة!

*****

يوصف الإعلام في الدول المتنورة بصفته سلطة رابعة يُحسب حسابُها الى جانب السلطات المركزية التشريعية، القضائية والتنفيذية، سلطة قادرة ان ترفع وتنزل قيادات وان تؤثر على تشكيل الرأي العام وليست مجرد ناقلة أحداث، انما صانعة أحداث وقطار شاحن للثقافة، للمجتمع، للفكر، للتنوير وبالأساس مرآة لمجتمعها المدني.

توصف الوسائل الإعلامية أيضا انها صانعة التاريخ، او العامل المؤثر على مسيرة التاريخ، لم تعد وظيفتها تنحصر بنقل الأحداث، او بتأويلها، بل بدفع التطورات عبر تأثيرها الفكري والثقافي. الإعلام اليوم هو صانع للأخبار وليس انعكاسا لها.

من هنا قلت ان الإعلام قادر على صناعة التاريخ بتأثيره على القرار السياسي او الاقتصادي، بتثقيفه الجماهير على حرية الرأي وعدم التردد في التعبير عن الموقف ونقد أي قرار او نهج سياسي، لذا ليس بالصدفة ان زعماء الدول يسـتأجرون خدمات صحفية، يوظفون مبالغ هائلة في استطلاعات الرأي، يعتمدون على مراكز ابحاث ومختصين في مختلف انواع العلوم الاجتماعية والسياسية وغير ذلك من الطرق حتى لا يجدون أنفسهم يفقدون قواعدهم الاجتماعية والسياسية وتصير حالهم أشبه برجل دين بلا رعية!!

تعدد وسائل الإعلام، خاصة تطور الإعلام الألكتروني ضاعف قوة الإعلام ودوره، ضاعف تأثيره وجعله متواصلا خلال كل ساعات اليوم.

من الواضح ان الإعلام المطبوع فقد الكثير من قوته، ولكن من الخطأ القول انه فقد أهليته وقدرته على التأثير، لذلك نرى ان الصحافة المطبوعة أنشأت مواقعها الألكترونية لتبقى على اتصال متواصل مع قرائها. لكن الأهم، وهو ما لم يستوعبه الكثيرين من الإعلاميين، تغير الدور الإعلامي للصحافة المطبوعة في عصر الإعلام الألكتروني. لم يعد إعلاما إخباريا، لأنه من المستحيل ان ينافس الراديو والتلفزيون والانترنت.. بل لا بد ان يتحول الى إعلام خدماتي اكثر..

عصرنا يتميز بإختصار المسافات بين الدول والثقافات، عصر تحوّل فيه العالم الى قرية من حيث سرعة التفاعل والمعرفة بالأحداث. طبعا الحديث لا يدور عن إعلام لمجتمع صغير وفقير إعلاميا، حيث يبرز الفقر الإعلامي بسطوع في غياب اختصاصات صحفية متنوعة وهامة.

       الصحافة ليست سياسة فقط، ليست تغطية لمجتمع بحدوده الجغرافية، الصحافة تشمل اليوم إطارا موسوعيا، بدءا من العلوم بكل تنوعها واتساعها، المجتمع بمختلف قضاياه، الثقافة، الأدب، التربية، الفنون على أشكالها من مسرح ورسم ونحت وموسيقى وسينما، الاقتصاد بكل تشعّباته، التاريخ بكل مراحله، السياسة بكل تفاصيلها واختصاصيين في قضايا العالم المتنوعة ولا ننسى الرياضة بكل فروعها..

حتى في المجال السياسي يبرز فقر إعلامنا الذي يتبع أسلوب النقل والإلصاق.

الرأي الحر هو الغائب الكبير. اذا لم يعجب رأيك المحرر، فأنت مقاطع، اذا كنت على خلاف سابق معه، فانت مغيّب، اذا انتقدت جماعته لن يصفح عنك "مسيحهم" إطلاقا، عليك ان تسجد للمحرّر وفكره لتصبح مقالاتك مقبولة وخاصة في الصحافة الحزبية، التي حولت الرأي الى مهزلة يمكن التنبؤ بجوهرها سلفا، أي لا ضرورة لإضاعة الوقت لقراءة ما هو معروف.

لا أنفي ان بعض الصحف أكثر تحرّرا.. ولكن ما ألاحظه ان بعض المحررين لا ينوّعون في الأقلام، مما يجعل الصحيفة تدور في فلك ضيق للغاية، وهذا يبرز بقوة في الصحافة الحزبية، التي أجد صعوبة باعتبارها وسائل إعلام وليس نشرات حزبية، لأنها حصرت نفسها ورؤيتها بتفاصيل ضيقة وخانقة ولا همَّ لها الا تبرير سياسات حزبية، لا أقول أنها خاطئة او مرفوضة، لكنها تجعل من الصحيفة جهازا يكرّر نفسه لدرجة الملل.

لحسن حظ المجتمع العربي في اسرائيل انه تطورت لدية وسائل إعلامية اكثر انتشارا وسرعة في التفاعل مع الحدث ومع الجمهور.

أعني نشوء إذاعة مستقلة.. كان لدينا هواجس حول آفاق هذا المشروع!

الإذاعة ليست جديدة، بدأنا براديو 2000.. كان مقيدا بأخباره ونشاطاته، ربما لأسباب مادية.

قبل عقد من السنين، بدأت إذاعة الشمس نشاطها الإعلامي... لكل بداية قيودها ومشاكلها ونهج التجربة والتعلم.

اليوم استطيع ان أقول بدون تردد إنّي أرى بإذاعة الشمس نقلة نوعية إعلامية لا توفرها المواقع الألكترونية او الصحافة المطبوعة، خاصة في مجال التغطية للأحداث السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصاد وغير ذلك من الاهتمامات التي تشكل جزءا من حياة أي مجتمع بشري.

عملت لفترة قصيرة في إذاعة الشمس، لست من الأشخاص الذين يخفون نقدهم ورأيهم الشخصي، أقول بوضوح ومسؤولية ان إذاعة الشمس نجحت بمحورة نفسها في مركز اهتمام المستمع العربي.

ليس لأن استطلاعات أجرتها مؤسسات مختصة للرأي اعطتها 85% من المستمعين العرب، هذه النسب لا تهمّني ولا تقول لي شيئا.. وقد تكون فيها مبالغة. انما أقيّم الإذاعة بناء على نشاطها العملي.

هنا لا بد من كلمة حق.. تنشط الإذاعة على تغطية مهنية للأحداث، ليس إخباريا فقط، انما عبر شبكة واسعة جدا من المقابلات، مع خبراء، مع وزراء، مع أعضاء كنيست، مع قادة أحزاب، مع اقتصاديين بما فيهم وزراء مالية واقتصاد، مع محلّلين مختصّين بقضايا العلوم والتعليم والهايتك.. مع رياضيين ومحلّلين.. ولا بد ان أشير ان حرية الرأي وحرية تناول المواضيع، وعدم التردّد باجراء مقابلات باللغة العبرية، لدرجة ان ثلث برامج الراديو التي تهم الجمهور والتي تتعلق بالأحداث والتطورات، تجري باللغة العبرية. طبعا ليس هذا هو المهم في نشاط الراديو، ولكنها مساحة جديدة من الإعلام المميز الذي يخترق أدقّ التفاصيل بجرأة وقوة، مع مجموعة إعلاميين عرب من المستوى الممتاز، مثل زهير بهلول، جاكي خوري، مصطفى شلاعطة ونبيل سلامة وغيرهم ليعذروني عن عدم ذكر اسمائهم.

من الممتع جدا الاستماع للحوار بين الإعلاميين من الشمس ومختلف المختصين والسياسيين. يمكن القول ان الإذاعة بذلك هي منتج للأخبار، للأسف هذا لا ينعكس على الموقع لأسباب لا اريد الخوض فيها هنا.

إذاعة الشمس هي نموذج للإعلام الجيد والصحيح وليس لمجرد نقل ولصق أخبار وتقييد حرية الرأي.

قبل سنوات كتبت انه حتى اليوم لا يوجد إعلام يمثل مصالح وتطلعات المجتمع العربي المدني في اسرائيل – هناك إعلام حزبي مباشر. وهو أقرب للنشرات الحزبية الداخلية، ويتركز معظمه بالحياة والنشاطات الحزبية وأخبار القيادات الحزبية والدعاية للحزب، وهذا يتزايد في مرحلة فقدان الأحزاب لأدوارها كمنظمة وقائدة ومثقفة للمجتمع المدني، وهو الدور الأساسي الذي أعتقد انه منوط بالأحزاب. وانه حتى الثقافة أُسقطت من أجندة إعلامنا، بفهم خاطئ للدور التعبوي الحاسم للثقافة في حياة المجتمع المدني الحديث، وان السياسة بعزل الثقافة تصبح خواء.

اليوم اقول بدون تردد ان إذاعة الشمس تشكل رافعة إعلامية لقضايا المجتمع العربي. طبعا يدٌ واحدة لا تصفّق، لكن ليت نموذج إذاعة الشمس ينتقل لسائر صحافتنا مع أخذ ظروف النشاط، اختلافه وتنوعاته لكل وسيلة اعلامية.

قبل النهاية أشير ان إذاعة الشمس لم تنجح باطلاق برنامج ثقافي فكري يشكل منبرا أساسيا لجمهور المثقفين العرب في اسرائيل. الثقافة مسالة مصيرية هامة في صيرورة كل شعب. انا على ثقة ان إدارة إذاعة الشمس متنبهة لهذا الموضوع، طبعا هناك جوانب تتمتع بتغطية، لكن الجانب الثقافي موضوع يحتاج من إدارة الشمس الى دراسة جادة وخطوات في الاتجاه الصحيح.

من الأهمية التأاكيد على ان الثقافة تعني القدرة على التفكير والقدرة على صياغة الرؤية المستقبلية، والقدرة على تجديد روح الإبداع في الفكر الاجتماعي والسياسي وتوسيع آفاقهما.

ان تجربتنا الثرية حتى سنوات السبعين من القرن العشرين، في النشاط الإعلامي، شكلت الثقافة فيه القاعدة الصلبة التي بنيت عليها استراتيجياتنا السياسية والنضالية كلها، والتي أثمرت أفضل انتصارات سياسية في تاريخ الأقلية العربية في اسرائيل، وبنفس الوقت أعطت للثقافة العربية أسماء أدبية لامعة شكّلت قمّة ثقافية للعالم العربي كله.

من المؤكّد ان الواقع الاقتصادي للعرب في إسرائيل، يلعب دوراً سلبياً في تطوير الإعلام العربي في اسرائيل... وحتى اليوم لم نشهد ان رجال أعمال عرب يعطون اي قيمة للإعلام، ما عدا استعدادهم لنشر بعض الاعلانات وبأسعار بخسة، لم تنشأ في مجتمعنا ظاهرة الارتباط بين الإعلام ورجال الأعمال (الى حد كبير هذا الأمر بارز في إذاعة الشمس فقط).

وأنوّه ان السياسة الرسمية في اسرائيل معادية للأعلام العربي وحتى للإعلام العبري الذي ينتقد المؤسسة الحاكمة.

حسب مصادر مختلفة، لا تزيد حصة الإعلام العربي في اسرائيل من كعكة الإعلانات الحكومية والخاصة، عن 1,5 % من ميزانياتها، مع ان العرب يشكلون 20 % تقريبا من السكان، والشركات الإسرائيلية تعطي حصة هزيلة من الدعاية رغم ان بعضها يسوّق حصة كبيرة من انتاجه للوسط العربي!!

إن "ثقافة الفقر" التي تسيطر على وسائل إعلامنا، خاصة المطبوعة منها.. تنعكس سلبياً على دور هذه الوسائل، وعلى مستوى المنتوج الإعلامي الذي يقدم للمتلقى (المواطن) العربي.

لا بد من التأكيد ان إعلاما بلا حرية رأي وحرية فكر، هو إعلام بلا تنوير ويعيش بعيدا عن واقع الفكر والسياسة. ربما ينجح إعلانيا، لكنه نجاح لا صلة له بالواقع ولو كنت صاحب مصلحة اقتصادية لما نشرت ربع انش في مثل هذا الإعلام، لأن الإعلام المنغلق هو دعاية في الهواء بنفس الوقت!!

في تارخ الصحافة تطورت نظرية هامة في عصر النهضة الأوروبية، تعرف بـ"نظرية الحرية" أو "النظرية الليبرالية"، وذلك ردا على النظرية السابقة التي سادت، "نظرية السلطة"، أو "النظرية السلطوية" والتي تمنع أي انتقاد حتى لموظف حكومي اذا فسد. النظرية الليبرالية بُلورت في عصر النهضة الأوروبية، وبالتحديد، القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، كتحد للسيطرة السلطوية على الصحافة، كان من أبرز مروجي النظرية الليبرالية، المفكر الإنجليزي "جون ميلتون"، الذي كتب عام 1664، يقول: "إن حرية النشر، بأي واسطة، من قبل أي شخص، مهما كان اتجاهه الفكري، حق من الحقوق الطبيعية، لجميع البشر، ولانستطيع أن نقلّل من حرية النشر، بأي شكل، وتحت أي عذر".

إذاعة الشمس هي الوسيلة الوحيدة التي لم تتردّد في طرح التعددية الفكرية، تعدّدية المفاهيم السياسية والاجتماعية، وبذلك تخدم القراء وتخدم المجتمع الذي يفترض انها تمثله اعلاميا!!

آمل ان ينعكس هذا على الموقع الألكتروني ايضا!!

nabiloudeh@gmail.com