اللعب بالورقة النوبية

د. أحمد الخميسي قرأها 1,411

اللعب بالورقة النوبية 

روايات عديدة في تفسير ما جرى في أسوان بين طلاب نوبيين من قرية "دابود" وطلاب من قبيلة "الهلايل" في 4 أبريل، وأدى لمقتل نحو 25 إنسانا غير الجرحى، علاوة على توابع الحدث الفكرية والسياسية. تمعّن في تلك الروايات وسوف تشتم رائحة التدبير والمؤامرة. لدينا التفسير الأسهل والأقرب الآن لمتناول اليد عند تبرير كل حادث: الإخوان هم من أشعل الفتيل. وهو تفسير لا يستند بعد على أي دليل سوى أن الإخوان خصم سياسي يمكن إلصاق كل التّهم به. التفسير الثاني تتبنّاه وزارة الداخلية مفاده أن ما جرى كان بسبب معاكسة إحدى الفتيات وكتابة عبارات مسيئة للطرفين على جدران البيوت. وهو تفسير أمني بحت لا يرى أبعاد الواقع السياسية والاقتصادية. يتبقّى تفسيران يؤكدان على أن ما جرى كان مدبّرا بهدف اللعب بالورقة النوبية على مائدة تقسيم مصر وتدمير الدولة. بهذا الصدد يشير المحامي النوبي محمد عزمي إلى أن القتال بدأ بمشادّة كلامية بين طلاب من دابود وطلاب من الهلايلة أعقبها قيام أحد الأفراد بإطلاق الرصاص بشكل عشوائي. منذ متى تؤدّي المشادّات الكلامية في النوبة لإطلاق النار بشكل عشوائي؟! رواية أخرى تقول إن السبب وراء الأحداث كان إيصال أمانة ملفّق!

هذه التفسيرات التي تتأرجح بين الطابع الأمني التقليدي للداخلية، والطابع السياسي، ثم الحكايات المريبة، توحي كلها بأن ماحدث كان مدبرا. فلم يكن فيما جرى أمر خطير يستتبع كل ذلك الاقتتال. يؤكد فكرة افتعال الحدث ناطقان من  الطرفين: الأول سعد حسين أحد مشايخ قبيلة الهلايل حين يصرح بأن العبارات المسيئة للنوبيين والهلايل مكتوبة على الجدران بالخط نفسه"! والثاني عادل أبوبكر القيادي النوبي الذي يشدّد على أن البعض خطّط بالعمد لإضرام النيران بين القبائل. وسواء أكان الحدث مدبّرا أم لا، فقد كشف أوجهاً من أزمة الدولة التي تكاد الأطراف كلها أن تُجمع على غياب دورها في أسوان. كما أن ما جرى كشف أيضا عن ضرورة التعامل مع النوبة بيقظة وعدل، والاستجابة للعديد من المطالب النوبية كحق النوبيين في تعلُّم لغتهم، وإعادة كتابة التاريخ بوضع تاريخ النوبة كجزء من التاريخ القومي بعد أن تمّ تجاهل ذلك كما تجاهلوا المراحل القبطية. ما جرى كشف أيضا وبوضوح عن نشاط المنظمات المموّلة التي تنفخ في نعرة القومية النوبية، كأنما لم يصبح النوبيون بعد جزءا من القومية المصرية، وتنفخ في مطالب الحقوق الفردية بالمفهوم الأمريكي وتغضّ النظر عن أن قضية أبناء النوبة هي في الأساس العدالة الاجتماعية والحرية بمعناها الأعمق والأشمل الذي يرتبط باستقلال مصر السياسي. تحاول تلك المنظمات والناطقون بإسمها، وقد أصبحوا كثيرين، أن يؤجّجوا نفسية الانفصال ويبرزوا كل نقاط التباعد بين مصر والنوبة وليس نقاط اللقاء، وهم يضعون خلال ذلك خطوطا غليظة تحت كل أخطاء النظام والدولة بصفتها "أخطاء المصريين" الموجهة بالعمد ضد النوبة، ومن ثم يرفعون أصواتهم "اتق شر الحليم". لاشك أن ما جرى مأساة. لكنها فصل من دفتر آلام الشعب المصري، وليس فصلا مستقلا بذاته. وفي هذا الإطار يجب أن نرى ما جرى وأن نفهمه وأن نتفادى تكراره. ألم نشهد من قبل مذبحة ماسبيرو في أكتوبر 2011 وقتل فيها نحو ثلاثين قبطيا؟ ألم نشهد مذبحة بورسعيد في الأول من فبراير 2012 وقتل فيها ثلاثة وسبعون مصريا؟. لقد خسر اللاعبون بالورقة القبطية والورقة السيناوية والورقة الإرهابية في محاولة تقسيم مصر ودفعها إلى المسار السوري والعراقي والليبي والسوداني واليمني. وسوف يخسرون أيضا عندما يلعبون بالورقة النوبية مادام في النوبة خليل قاسم ويحيى مختار وصفاء مراد وغيرهم ممن يرى النوبة في مصر ومصر في النوبة.

أحمد الخميسي. كاتب مصري