بيروت ... أم الشرائع، زهرة الشرق ودرّته الغالية

ميشلين حبيب قرأها 3,864

بيروت ... أم الشرائع، زهرة الشرق ودرّته الغالية 

بيروت المدينة التي طُمرت عبر التاريخ تحت ركام الزلازل سبع مرات وتحت أنقاض الحروب سبعين مرة تنتفض وتقوم اليوم مرة أخرى لتثبت أنها "المدينة التي لا تموت" وأن "ست الدنيا" ما زالت تتمتع بسحرها وجمالها الخاص بالرغم من كل الصراعات والحروب التي صبّت عليها جام حقدها. فبعد أكثر من عقدين ونصف على معاناتها استعادت بيروت مجدها على الساحة العالمية خصوصاً في السنوات الأخيرة. وقد تربّعت بيروت مؤخراً في المركز الواحد والعشرين في استفتاء مجلة  Traveller 26th Annual Readers’ Choice AwardsCondé السنوي لأفضل 25 مدينة عالمية لعام 2013 والتي أعلنت نتائجه في شهر تشرين الأول الماضي. وصرّحت المجلة أن مجمل الأصوات التي شاركت في الاستفتاء لهذا العام بلغ 1.3 مليون صوتاً.

كانت بيروت قد اختيرت من قبل المجلة نفسها في عام 2012 كأفضل مدينة في الشرق الأوسط. أما في عام 2009 فقد اختارت "صحيفة النيويورك تايمز" بيروت كواحدة من أفضل الأماكن التي ينبغي زيارتها.

لقد خصّ الله بيروت بطبيعة جميلة وبمناخ أجمل دافئ ولطيف جعل الجميع يقصدها من أنحاء العالم. وبحكم امتدادها في البحر تتمتع بيروت بأجمل الإطلالات البحرية وهي أيضاً تحتوي على أجمل الشقق السكنية المطلّة على البحر. وهذه سيمة أخرى جعلت الناس يتهافتون على شراء المساكن فيها وجعلتها تحتل المركز الأول في سوق الإيجارات للمساكن الفخمة الراقية.

وبيروت مدينة قديمة وعريقة ذُكرت في رسائل تعود إلى القرن الخامس عشر قبل الميلاد وهي مأهولة منذ ذلك الحين. وأظهرت الحفريات الأثرية التي أجرتها مديرية الأثار أهمية بيروت في الحقب الفينيقية والرومانية والبيزنطية والفارسية والعثمانية. وقد لُقّبت المدينة عبر العصور بالعديد من الألقاب منها: "المدينة الإلهة" كما أسماها الفينيقيون، و"أم الشرائع"  كما لقّبها الرومان بسبب بناء أكبر وأول معهد للحقوق فيها، ونعتها العثمانيون "بالدرة الغالية" ولقّبت أيضاً "ببيروت الأبيّة المجيدة" و"زهرة الشرق" و"باريس الشرق" وخلّدها نزار قباني بلقب "ست الدنيا".

لبيروت طابع نادر خاص بها يميزها عن أمكان كثيرة. فهي مدينة تجمع القليل من كل مدينة عالمية وفي نفس الوقت تفرض طابعها وهويتها الخاصة؛ وأكثر ما يميز بيروت هو أناسها الذين يعكسون طابع مدينتهم الدائمة الحركة والتي لا تنام. ولا يكمن سر سحر بيروت في صورتها الشاملة فقط، وإنما في زواياها وتفاصيلها حيث يمتزج التاريخ بالحاضر. هي مدينة في حضن التاريخ والتاريخ في حضنها. في كل زاوية منها تعشش قصة من قصص الماضي حتى في الزوايا التي رُممت، ما زال التاريخ يهمس لنا وما زالت القصص توشوش بعضها البعض وتحاول أن تكلم الناس والمارة والساكنين والزوار والسائحين. حيثما التفت هناك عنصر جمال مختلف في بيروت يلفتك ويجذبك. وبالرغم من كل ما عانته بيروت فإن ذلك لم يتمكن من محو طابعها الخاص والذي هو مزيج من الطابع الأوروبي والشرقي والطابع البيروتي، وهذا ما يجعل منها واحدة من أجمل مدن العالم. فبيروت سيدة ذات ثقافة وتاريح وروح وسحر وجمال.

من معالم بيروت الأخرى التي تجذب السواح وأهل البلد على حد سواء والتي تضفي رونقاً على بيروت الساحرة هي مراكز التسوق وأشهرها أسواق بيروت أو Beirut Souks، منطقة تجارية ضخمة في وسط المدينة أعيد تأهيلها بالكامل بشكل حديث مع الحفاظ على معالمها الأساسية وأسمائها القديمة. فبدل الذهاب إلى باريس أو نيويورك أو لندن يمكن التجول في أسواق بيروت والتبضع من أفضل المحلات والحصول على أهم الماركات العالمية الموجودة في تلك المدن.

ولا شك أن مطاعم ومقاهي بيروت تلعب دوراً كبيراً أيضاً في السياحة. وقد أصبح المطبخ اللبناني الذي اشتهر عالمياً بغنى عن التعريف.

وتعتبر المتاحف في بيروت معلماً سياحياً وثقافياً مهماً وعلى رأسها المتحف الوطني الذي أعيد ترميمه وتأهيله لاستقبال الزوار والذي أضيف إليه جناحاً جديداً مؤخراً. وتعود مقتنيات المتحف الأثرية إلى عصر ما قبل التاريخ والعصر البرونزي وعصر الحديد والعصور الإغريقية والرومانية والبيزنطية وحتى العصر الإسلامي والمملوكي. ويضم المتحف قطعاً تاريخية مهمة جداً أهمها  ناووس أحيرام ملك بيبلوس وعليه أقدم كتابة فينيقية معروفة. وتعود مجموعات ما قبل التاريخ الموجودة فيه إلى العصر الحجري القديم أي 150 ألف سنة. ومن القطع الأخرى المهمة جداً قماش أرجواني ملوّن بصدفة الموركس الأسطورية الشهيرة.

بالإضافة إلى المتحف الوطني، يُعتبر متحف الجامعة الأميركية في بيروت للأثار ثالث أقدم متحف في الشرق الأوسط، وهو يعرض مجموعة كبيرة من الحرفيات التي عُثر عليها في لبنان وبعض الدول المجاورة.  كذلك يوجد متحف سرسق أو قصر سرسق الذي يحوي اليوم أكثر الأعمال الفنية شهرة في بيروت، وهي تتمثل في مجموعة من المنحوتات اليابانية وعدّة أعمال فنية إسلامية، كما ويستضيف هذا المتحف معارض مؤقتة خلال السنة. وهناك أيضاً متحف روبير معوّض الخاص الذي تُعرض فيه المجموعة الخاصة بهاوي الفن والسياسي اللبناني هنري فرعون، من تحف وقطع أثرية. 

وعاصمة لبنان وأكبر مدنه وقلبه النابض، بيروت، التي عُرفت بمنارة الثقافة في الشرق والتي كانت شعلتها قد أجبرت على الخمود، تعود بثورة ثقافية كبيرة على جميع الأصعدة. وفي إطار هذه الثورة الثقافية فقد شهدت المدينة في أيلول الماضي من هذا العام حدثاً فنياً جذب اهتماماً عالمياً، هو الدورة الرابعة من معرض بيروت للفن الذي نُظم في مركز بيروت الدولي للمعارض والترفيه، وفي شوارع العاصمة وأسواقها التجارية، وتخلله معرض فني في الهواء الطلق بعنوان "إلى ما بعد الجدران".

 وقد قالت السيدة لور دوتفيل مؤسسة المعرض أن مبادرتهم هذه " تأتي في سياق اندماج المعرض مع الثورة الثقافية للمدينة وأن المعرض يشكل بكافة نشاطاته لقاءً فريداً على روزنامة الأحداث الفنية المعاصرة والعصرية. فهو يقدم لزائريه سوقاً فنياً، ويأخذهم في رحلة ثقافية تجسد دينامية بيروت وحيويتها ... واليوم، بات هذا المعرض يثير اهتمام المتخصصين والمعنيين العالميين بالفن اللبناني".

 من النشاطات الثقافية الأخرى المهمة التي تتميّز بها بيروت، صالون الكتاب الفرنكوفوني السنوي الذي هو من أهم الأحداث الثقافية للكتاب وأشهرها في المنطقة بالإضافة إلى معرض بيروت الدولي للكتاب الذي يقام سنوياً في شهر كانون الأول.

أما المسارح في بيروت وبالرغم مما عانته بسبب الحرب فما تزال قائمة يُذكر منها مسرح المدينة ومسرح بيروت ومسرح مونو. وتشهد الحركة المسرحية حالياً نشاطاً قوياً ومستمراً.

لا تقتصر نشاطات بيروت على الثقافة فقط، بل للنشاطات الرياضية فيها حصة كبيرة أيضاً.  أهمها ماراتون بيروت الدولي، الماراتون السنوي الذي يجذب عدائين من جميع أنحاء العالم يأتون خصيصاً للمشاركة فيه. وهو أكبر حدث من هذا النوع في الشرق الأوسط.

وبتأسيسها لهذا الحدث الرياضي الذي تقوم رؤيته على أن يصبح المؤسسة الأولى المختصة بشؤون العدو في الشرق الأوسط، تكون سيدة الأعمال اللبنانية مي الخليل قد رفضت أن تدع لؤلؤة الشرق تستسلم لما حاولت الحرب والسياسة أن ترزحها تحته من دمار وطائفية.

في النهاية إن تلك الفاتنة الساحرة الدائمة الشباب لم يقو عليها الزمن ولا ويلاته وهي مثل المرأة القوية الحقيقية التي يحاولون تحطيمها لكنها تلملم أجزاءها المحطمة وتعود أقوى مما كانت. بعد كل ما ذكر إضافة إلى العمل المستمر على تحسينها وتطويرها، فإن بيروت تستحق أن تكون على لائحة أفضل 25 مدينة في العالم، وليس مستبعد أبداً أن تحتل المراكز الأولى في الأعوام المقبلة.