في ذكرى الأربعين يوماً على رحيل الصافي

ميشلين حبيب قرأها 1,509

في ذكرى الأربعين يوماً على رحيل الصافي

رحل وديع الصافي لأن وقت الرحيل قد حان. في ذكرى الأربعين يوماً على رحيله، لن أتكلم عن فن وديع الصافي والمدرسة الطربية التي اسمها وديع الصافي، ولا عن الأجيال اللبنانية والعربية التي تربّت على ألحانه وأغانيه، ولا عن النتاج الضخم الذي تركه لنا والذي يبقيه حياً بيننا، بل سأتكلم عن وديع الصافي المؤمن.

 في ذكرى الأربعين يوماً على رحيل الصافي

إن أعظم ما في وديع الصافي لم يكن فنه الكبير فقط، وإنما إيمانه الكبير وتواضعه أمام الرب. إلى جانب تأليف الألحان الطربية، قام الصافي بتأليف الألحان الروحية اقتناعاً منه بأن كل أعمال الإنسان لا يتوّجها سوى علاقته بالله. فرتّل وصدح صوته في الكنائس والمهرجانات الدينية، والأماكن المقدسة التي دُعي إليها، والتي لم يرفض تلبية أية واحدة منها أبداً. واشتهرت ألحانه الدينية وتراتيله الكثيرة مثلما اشتهرت أغانيه وألحانه الطربية. منها: أيها الرب إلهي، رفقا، ويا مريم يا أم الله التي أصبحت من أهم التراتيل التي تمدح وتكرّم السيدة العذراء وتُرنم في القداديس وأعياد الأم العذراء.

وعندما كان وديع الصافي يرتل، كان صوته يصعد إلى السماء يسلّم على الرب ويعود إلى الأرض ليقول لمن يسمعوه أن الرب يسلّم عليهم. ويكفي أن نسمعه يرتّل "قدوس" و"اليوم علّق على خشبة" كي نفهم ذلك.

ونتيجة هذا الايمان وهذه العلاقة مع الرب عرف وديع الصافي كيف يعامل الجميع على اختلافاتهم بمحبة، وعرف كيف يعيش السلام مقتنعاً أن عظمة الإنسان تكمن في تواضعه. وقد أثبت أن الفنان بإمكانه أن يبقى إنساناً مؤمناً وأن يوصل فنه من خلال إيمانه.

بعد أن رحل ضجّت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بصور له في المستشفى وفي البيت على فراش المرض، وبصور الزوار المعروفين وغير المعروفين يأمّون البيت والمستشفى لرؤيته. وفي كل هذا استوقفني شيئان: المسبحة في رقبته والكاهن الذي لم يفارقه. وفي أحد الفيديوهات التي نُشرت على أحد وسائل التواصل الاجتماعي، نرى الكاهن، نزولاً عند طلب وديع الصافي، يحضر تمثال السيدة العذراء "سيدة بشوات" بالتحديد عن رفّ في الغرفة ويضعه على صدره ثم يبدأن معاً بترتيل "يا مريم يا أم الله".

وفي صور كثيرة أخرى لوديع الصافي على فراش المرض في المستشفى يتحضّر للرحيل، لفتني فيها كلها  وجود مسبحة الوردية في رقبته والبسمة والصلاة على شفتيه. لم يخذل سيدة الوردية ومن المؤكد أنها لم تخذله في لحظاته الأخيرة.

لم ينسَ وديع الصافي أن الذي منحه صوتاً قيل فيه "من غير المعقول أن يملك أحد هكذا صوت"،هو الخالق العظيم. من هنا أتساءل: ماذا قال له الله عندما وصل عنده، هل قال له: "وديع يا إبني، عْرِفِتْ تِسْتَعمل هالصوت يللي عطَيْتَك ياه"؟

وأتساءل أيضاً كيف كانت الرحلة الى السماء، وكيفوصل وديع الصافي عند الله، وماذا يفعل الآن، هل يرتّل له؟ هل الّف جوقة من الملائكة ويرتلون لله الآن؟

أتمنى أنه مثلما كان مدرسة في الطرب علّمت أجيالاً من الفنانين، أن يتعلّم هؤلاء وغيرهم منه الإيمان والتواضع أمام الله أولاً، وأمام الناس ثانياً، وأنه ليس من الصعب أبداً أن يكون الإنسان فناناً كبيراً ومؤمناً أكبر دون أن يبتعد عن طريق الرب بحجة الفن وطريقه الصعبة، فوديع الصافي أكبر مثال على أن ذلك ممكن.

في النهاية على الأرض والبداية في السماء، أصلّي أن يكون وديع الصافي في دار الخلد في أحضان الآب السماوي يصدح مُمجّداً الله، والله يضيء له بسناه ويغمره بحنانه.