في هجاء الوعد المشؤوم

توفيق أبو شومر قرأها 1,015

في هجاء الوعد المشؤوم 

ستة وتسعون عاما مضت على وعد بلفور، وما زلنا نردد الصيغ العربية المشهورة المرافقة لهذا الوعد، وأبرزها: المشؤوم- الغادر- الكارثة- وقد نحتْنا له  قولاً مخدّراً:

"أعطى مَن لا يملكُ وعداً لمن لا يستحق"

غفونا عقودا، ثم وضعنا الوعدَ في صندوقنا التاريخي المملوء بالنكبات، نُخرج كل عام نكبةً من النكبات، نسبُّ ونلعنُ صاحبها، فنلعنُ أرثر جيمس بلفور، ونهجو حكومة جلالة الملك بمعلقات خطابية يوم الثاني من نوفمبر في مؤتمرات وندوات، ثم نعيده إلى الخزانة من جديد في انتظار موسمه في العام القادم.

ستة وتسعون عاما ولم نتمكن من بلورة صيغٍ عملية للاستفادة من تكنلوجيا الألفية الثالثة، ومن تطورات العالم المعاصر.

ولم نقُم بأضعف الإيمان، على الأقل لنقاضي حكومة صاحب الجلالة بريطانيا على فعلتها الشاذة والنادرة في تاريخ العالم؛ فكيف يسمح العالم لدولة أجنبية محتلة أن تمنح وطناً بأهله وساكنيه إلى جماعةٍ من الجماعات، أو إلى الجالية اليهودية في بريطانيا والتي وُجِّه إليها الوعد متمثلا في رئيس هذه الجالية البارون روتشلد؟!!

أيُّ قانون يمنح المحتلين بيع الأوطان؟ وأيُّ شعبٍ يقبل أن يباع ستة وتسعين عاما ويظلّ صامتا  وغافيا حتى اليوم؟

ثار الفلسطينيون والعرب على الوعد، وأطلقوا صرختهم الكبرى في القرن التاسع عشر، كما أورد ذلك جورج أنطونيوس في كتابه [يقظة العرب]

"منذ عام 1868  أطلق روّاد النهضة الأدبية صرختهم الشهيرة [تنبّهوا واستفيقوا أيها العرب]

فهل يعقل أن يظلّ شعبنا الفلسطيني يردّد هذه الصرخة قرنا من الزمن، ويتحمل تبعاتها وأوزارها؟!

إليكم هذه اللقطات التاريخية التي أستعيدها من تاريخ نضالنا الفلسطيني الناصع السالف قبل وعد بلفور:

قدّم وجهاء القدس احتجاجا لرشاد باشا (سنجق القدس) عام 1890 ضد ازدياد أعداد اليهود، وطالبوه بمنع هجرة اليهود، ومنحهم الأراضي، وهذا – كما يقول عبد الوهاب الكيالي في كتابه - تاريخ فلسطين الحديث – دليلٌ قاطع على الوعي المبكر لخطر التهجير الإستعماري لليهود إلى فلسطين، وهذا قبل المؤتمر الصهيوني الأول، وهذا نموذج للمقاومة الاحتجاجية (الغاندية) المبكرة جدا والواعية جدا!

وفي نموذج آخر نشرته صحيفة الكرمل الفلسطينية 7/7/1914:

"هل تقبلون أن تصبحوا خدما للصهاينة، الذين جاؤوا لطردكم من بلادكم، مدّعين أنها بلادهم؟ وطالبت الصحيفةُ الشعبَ بالإجراءات التالية:

"حظر بيع الأراضي الأميرية للأجانب، وكذلك الأراضي المملوكة للأفراد، ومقاطعة التجارة مع الصهاينة، تشجيع الزراعة، وتجنيد الرأي العام بالمظاهرات والاحتجاجات"

وحاول الفلسطينيون خلال تاريخهم الطويل توحيد النضال لأنهم كانوا يدركون أن المؤامرة تستهدف رأس العرب أجمعين، لا القطر الفلسطيني فقط، فلجأوا إلى مقاومة أكثر عمقاً من الاحتجاجات والمظاهرات، فعقدوا سبعة مؤتمرات وطنية عربية فلسطينية، منذ نهاية الحرب الأولى، وبعد وعد بلفور 1919 – 1929  وكانت هذه المؤتمرات تعمل على ثلاثة محاور: الديني – العربي – الفلسطيني،  وكانت جميعها ترى في وعد بلفور كارثة عربية، وليست كارثة فلسطينية فقط.

وتوافقتْ الأحزاب التالية على البرنامج النضالي وهي:

  حزب الاستقلال 1932، وحزب الدفاع 1934 والحزب العربي الفلسطيني 1935  وحزب الكتلة الوطنية، والإصلاح، والحزب الشيوعي.

أسَّس الفلسطينيون لجانا مشتركة لقيادة النضال، فقد كانت اللجنة العربية العليا لفلسطين، هي التي تدير انتفاضة عام 1936.

ثم جاءت الهيئة العربية العليا كنموذج مصغّر لحكومة  فلسطينية عام 1946 إلى أن أُسّست منظمة التحرير الفلسطينية 1964 وتوالى النضال، وتعدّدت الأحزاب والتيارات السياسية، وتتابعت الانتفاضات، في إطارٍ فلسطيني موحد.

إن السرد التاريخي السابق يؤشر على الإصرار الفلسطيني على الاستقلال، ويدلّ على قدرة هذا الشعب على تنويع النضال وتفريعه ليشمل الجميع.

 إن أبرز مدلولات السرد التاريخي السابق هي أن الفلسطينيين كانوا على وعي تام بالمخطط، الذي لم يكن يستهدف فلسطين، بل كان يستهدف فلسطين كحلقة وصل عربية.

وحسبي أن أسرد مقررات المؤتمر الإسلامي الأول 25/1/1935 الذي عقد في كلية روضة المعارف بجوار المسجد الأقصى بحضور أكثر من أربعمائة من ممثلى المسلمين، لأدلّل على الوعي الفلسطيني المتقدم:

أصدر المؤتمرون فتوى بتحريم بيع الأرض، أو السمسرة لغرض بيعها، أو الوساطة، واعتبار هؤلاء مرتدين، مع تحريم دفنهم في مقابر المسلمين.

وطلبوا تحويل الأراضي الأميرية التي تملكها الدولة المحتلة إلى وقفٍ للمسلمين، وطلبوا وقف التهجير اليهودي، وطلبوا من حكام العرب دعمهم، وإقامة المشاريع الاقتصادية في فلسطين، وبعد عام، عُقد مؤتمرٌ ثانٍ  طالبوا فيه أيضا بمنع التهجير اليهودي.

ولعلّ أطرف قرارات المؤتمر الثاني كانت:

إجراء إصلاحات على نظام الأحوال المدنية والشخصية، وبأن تكون إدارة المعارف والتربية والتعليم بيد الفلسطينيين. وكان المطلب الأخير يمثل إدراكا من الفلسطينيين بأهمية التعليم كعنصر أساسي واجبٍ في مرحلة النضال.

وبعد..

ليس مقبولاً أن نكرر أخطاء النضال السابقة، وليس جائزاً أن تسير نضالاتنا وفق نظرية رد الفعل، ومن أخطر الأمور أن نهمل نظامنا التربوي والتعليمي، وعلينا أن نرفع شعاراً يقول:

-      إن تخريب التعليم ، تخريبٌ مقصود للنضال الوطني الفلسطيني.

-      إن تقصيرنا في وضع حقوقنا في صيغٍ قانونية تلائم عصرنا، هو تفريط في حق نضالنا.

-      إن إغفال دور العرب والعالم في تعزيز حقوقنا، هو  أيضا جريمة أخرى في حق نضالنا الفلسطيني.