فقّوس الحزام الأمني في غزة

توفيق أبو شومر قرأها 1,022

فقّوس الحزام الأمني في غزة 

أولا أنا أحب الفواكه والخضروات التي تنبت في الهواء الطلق، حتى ولو كانت أشكالها لا تشبه أشكال الفواكه المعدلة جينيا، أو الفواكه والخضروات (الصناعية)!!

فالفواكه الطبيعية لا تتميز فقط بأنها صحية وتحافظ على نكهتها الأصلية فقط، ولكنها تنبت في مواسمها السنوية المعتادة ولا تُرغم على النمو والإزهار في كل أوقات السنة، مما يفقدها نكهتها ورائحتها، وأهم الفواكه التي أنتظرها بشغف كل عام هي فاكهة القثَّاء أو الفقّوس بلغتنا الدارجة!

بحثتُ عن فاكهتي في أكبر أسواق غزة يوم الجمعة، فوجدتُها فوق إحدى العربات التي يجرها حمار، وكان الفقوس كبير الحجم، ولم أتوقع القصة التي سردتها عليَّ عجوز تقف إلى جوار العربة وإلى جوارها صبي صغير لا يتجاوز العاشرة من عمره يقف منكمشا خائفا!

ولم أستطع الربط بين الفقوس والعجوز والصبي الصغير الخائف، إلا عندما بدأتْ تقصُّ علي قصة فقوس غزة:

"هل تظن بأن صاحب الفقوس يود أن يبيعه وهو في مثل هذه الأحجام؟

فهو خسارة لنا ولموسمنا، لأننا نبيعه بأسعار زهيدة، إن المشكلة يا بُنيَّ هي أنه من إنتاج أرضنا المجاورة للسياج الأمني في غزة، ونحن نمارس أبشع المهن في العالم، وهي التسلل إلى أرضنا لنزرعها حتى نأكل من ثمارها، وفي كل مرة نحتسب حياتنا عند الله، عندما نغامر بالذهاب إلى أرضنا!

فالفقوس يا بني تأكلونه بشهية ولذة، ولكننا نحن نزرعه بدمنا ودم أبنائنا، انظر إلى حفيدي إنه منذ ساعات وهو يرتجف من الخوف، لأنه تسلل إلى بستاننا، ونجح في جني هذه الكمية الصغيرة!

قالت للصبي:

احكِ للحاج قصتك:

فقال:

ذهبت بعد صلاة الصبح لجني الفقوس ، وكان الضبابُ شديدا فخفتُ لأنني سأكون هدفا للجنود الإسرائيليين المتربصين بكل ما يتحرك في المكان، فهم في أيام الضباب يطلقون النار في كل مكان، زحفت على بطني بين (لبش) الفقوس أبحث عن ثماره، فكنت أسحبه سحبا وأسحب معه جذوره خوفا، وما إن ملأتُ كرتونة، حتى وقفتُ لحملها ووضعها فوق عربة الكارو البعيدة، حينئذٍ انطلقت عدة رصاصات من قوات الجيش الإسرائيلي التي ترابط غير بعيد عني، وكانت الرصاصاتُ هذا اليوم أقربَ الرصاصات إلى جسمي، حتى أنني ما أزال أشم رائحة البارود في ثيابي حتى الآن، فألقيت نفسي بين شجيرات الفقوس مرة أخرى وانتظرتُ حتى تماسكتُ من جديد، كنتُ أودُّ أن أرجع إلى بيتي وألفّ نفسي في فراشي من شدة الرعب، لكنني لم أستطع، خشية اتهامي بأنني مقصّرٌ وجبان، أهربُ عندما أسمعُ أصوات الرصاص كما يردّد والدي، فهو لا يصدقني، حتى عندما هربت ذات يوم بعد أن سقطت قذيفة صاروخية في بستاننا، إلا عندما رأى الشظايا والحفرة، فيحجب عني مصروفي عندما أذهب للمدرسة في صباح اليوم التالي!!

عدتُ من جديد إلى عملي وتمكنتُ بعد وقت طويل من جمع هذه الكمية!!

وتدخلتْ العجوز قائلة:

فقّوسة واحدة من هذا أحسن من كل الفقوس الذي ينمو مرغما في الحمامات ويُرشُّ بالمبيدات السامة، فهذا بعليٌ يخلو من المبيدات، حتى أنه لم يُسقَ بالماء!!

أما أنا فعدتُ إلى البيت مسكونا بقصة فقوس الحزام الأمني، أو فقوس خط النار، وكلما امتدتْ يدي إلى ثمرة من الفقوس أتذكر الطفل والعجوز، فأعيدُ الفقوس الغزي إلى مكانه، حتى يظل ذكرى لإحدى مآسينا الفلسطينية، التي يُقصِّر إعلامنا في إبرازها، وينشغل بألعاب السياسة المشهورة، ويرسل الطواقم الإعلامية والمصورين، وسيارات النقل المباشر فقط، لبثِّ أخبار وتحليلات وتعليقات واستنتاجات وتنبؤات المتنبئين السياسيين، ونقل وقائع الندوات المخملية، والخطابات الرنّانة للزعماء والمسؤولين وقادة الأحزاب والفصائل والتيارات والجمعيات والمؤسسات والوزارات، وتصوير المؤتمرات الصحفية، ونقل مهرجانات الانطلاقات، ومسيرات الاحتجاجات وما في حكمها!!