البيروني أديباً

أ. د . حسيب شحادة قرأها 2,146

البيروني أديباً


 
يعرف البيروني عند الأوروبيين باسم‏ Maître Aliboron‏. ذاع صيت أبي‏ الريحان محمد بن أحمد البيروني (٩٧٣-١٠٤٨)‏ بالرياضيات والفلك على‎ وجه الخصوص إلا أنه أدلى بدلوه في‏ علوم كثيرة أخرى مثل الطب والجيولوجيا والمعادن والجغرافية والتاريخ‏. هذا العالم الموسوعي‏ الفريد في‏ نوعه خلّف وراءه عدداً كبيراً من المؤلفات وصل تعدادُها حوالي‏ المائة والخمسين وسمّاها أبناءٌ له‏.

 البيروني أديباً

عاش البيروني‏ ما بين عام ٩٧٢م إلى حوالي‏ عام ١٠٤٨م وعاصر عالِمين عظيمين هما أبو علي بن سينا الطبيب والفيلسوف والحسن بن الهيثم العالم الفيزيائي‏. لُقّب أبو الريحان بـ"البيروني‏" نسبة إلى "بيرون‏" ومعناها بالفارسية‏ "الخارج‏". عاش البيروني‏ مدّة طويلة في‏ مدينة‏ "غزنة‏" الواقعة بين الهند وخراسان‏. كما وعاش في‏ الهند سنين طويلة وترجم العديد من المؤلفات الهندية إلى العربية كما وقام بترجمة أعمال إغريقية من ترجمتها العربية إلى اللغة السنسكريتية‏. يكفي‏ البيروني‏ فخراً أنه توصّل إلى أن السبب في‏ تفاوت الليل والنهار‏ يعود إلى دوران الأرض حول نفسها وليس السبب في‏ ذلك الشمس‏.

 
يكفي‏ هنا أن ننوه بما قاله المستشرق الألماني‏ ادوارد سخاو المتوفى عام ١٩٣٠عن البيروني‏ "إنه أكبر عقلية ظهرت في‏ التاريخ‏". هذا القول شبيه جداً بما قاله‏ ياقوت الحموي‏ المتوفى عام١٢٢٩م‏ "لم‏ يأت الزمان بمثله علماً وفهماً‏".

استخدم البيروني‏ المنهج العلمي‏ الجادّ، ‏ ويعتبر من القلائل الذين تكلموا عن حركة الأرض حول نفسها وعن الجاذبية‏. كما وقاس محيط الأرض وتتطرق إلى تقسيم الزاوية وأوجد أطوال الأشكال الهندسية المنتظمة وأعدّ‏ الجداول الرياضية‏. بعبارة وجيزة، ‏ يمكن القول بأن البيروني‏ يمثّل عبقرية العلم العربي‏ الإسلامي، ‏ ففي‏ نظره المعرفة الدقيقة هي‏ الغاية المبتغاة‏.

تتميز لغة البيروني‏ بالرصانة والدقة والعذوبة وقد أحبّ‏ العربية حبّاً جمّاً‏ وهو الفارسي الأصل فقال: "إن العربية لغة العلم والمعرفة والفارسية للقصص والسّمر". يذكر‏ ياقوت الحموي‏ في‏ مؤلَّفه الشهير‏ "معجم الأدباء‏" البيروني‏ قائلاً:‏ "وإنما ذكرته أنا ها هنا لأن الرجل كان أديباً أريباً لغوياً،‏ له تصانيفُ‏ في‏ ذلك رأيت أنا منها‏: كتاب شرح شعر أبي‏ تمام رأيته بخطّه لم‏ يتمّه، ‏ كتاب "التعلّل بإحالة الوَهم في‏ معاني‏ نظم أُولي‏ الفضل"، ‏ كتاب "تاريخ أيام السلطان محمود وأخبار أبيه"، ‏ كتاب "المسامرة في‏ أخبار خوارزم"، ‏ كتاب "مختار الأشعار والآثار‏". (١٧/١٥٨). لا‏ غرو في ذلك فالبيروني‏ كان واسعَ‏ الاطّلاع والمعرفة من حيث اللغاتُ‏ والثقافات العربية والفارسية والهندية وكان قد قارن بين العربية والهندية‏.

وكل من‏ يتصفح كتاب‏ "الصيدنة‏" للبيروني‏ يجد دون كبير مشقّة كمّاً‏ هائلاً من الأبيات الشعرية والأمثال والحكم‏. لا‏ يمكن القول بأن البيروني‏ كان شاعراً إلا أنه كمعظم علماء الحضارة الإسلامية كان مغرماً بالشعر وقرضه‏.

من أشعاره‏:

إذ لستُ‏ أعـــرف جدّي‏ حـق معرفة    وكيف أعرفُ‏ جدّي‏ إذ جهلتُ‏ أبي

إنـــي‏ أبــــو لهبٍ  شيـــخ بـــــــــلا أدبٍ   نـعــم.. ووالدتـــــي‏ حـمَّــــــالة الحـطـب

المــدح والـــذمّ‏ عنـــــدي‏ يــــا أبا حسن   سيّــــــــان  مثل استواء الجدّ‏ واللعب

*

ومَن حام حول المجد‏ غير مجاهد    ثوى طـــاعماً للمكرمـــــات وكــاسيــــــا

وبــــات قريــرَ‏ العيــن في‏ ظـلّ‏ راحـة   ولكـنـّـه عن حُـلـّــــة المجد عـــــــــــــــاريا

*

فــــــــــــــــــــلا‏ يغرُركَ‏ منـّـي‏ ليــن مسٍّ     تـــــــــراه فـــــي‏ دروسٍ‏ واقـتـبــــــــــــــاسِ

فإنــــــــي‏ أسرعُ‏ الثــّــقــليــــن طـــــــــــــــــرّا    إلى حوض الردى في‏ وقت باسِ

*

تُنغِّصُ‏ بالتبــــاعد طيب عيشي       فــــــــــــلا شيءٌ‏ أمـــــــرُّ من الفـــراق

جامعة هلسنكي