مجموعة (مفردات الروح) للشاعر سهيل ابراهيم..
جملة من الاسئلة يستهل بها الشاعر سهيل ابراهيم مجموعته الشعرية (مفردات الروح) بعد ان يمهد لها بفضاء كوني – شعري ذي اتجاهات متعددة ومتنوعة تحدد خطانا في متاهٍ كونيٍّ عمره آلاف القرون، وعمرنا فيه آلاف الاسئلة. الكون جهات تفضي الى أمداء قصية تنشر فيه الروح مفرداتها، ونسيمها الغامض، وضبابها الابيض الذي يجعلها عصية على مداركنا، فتولع الاسئلة لتشكل للشاعر هواجس مقلقة لا اجابات عليها. يتساءل: كيف تبدو الروح؟ مَنْ رأى الروح؟ مَنْ كلَّم الروح؟ مَن استنطق سرَّها؟ ثم يأتي السؤال التالي : مَنْ مِنَّا سجين الروح؟ نحن – الآدميين – أو أرواحنا؟ مخالفا بذلك ما قاله الصوفيون واللاهوتيون وسلَّموا به وهو (أن الجسدَ حجابٌ وسجنٌ للروح). فالشاعر سهيل ابراهيم يشكك بهذه المسلمة، او لنقل يضعها جانبا، ويعيد طرحَ السؤال بالاتجاهين، ليخطو حراً دون قيودٍ مسبقة بالاتجاه الذي يرغبه هو، ولا يفرضه عليه أو يوحي به اليه السابقون، ليأخذ جهته الخاصة به في جهات الكون، وبالتالي ليحقق خصوصيته فيه. ليبني من خرائب الدنيا وركامها جنته المفقودة، وليعيش ساعة الخلاص قبل أذان الموت. في كل ما سبق يصوغ الشاعر مخلوقته (مرجان) ويجعلها بين شوارد الروح ونبض القلب، يحاول الامساك والاحتفاظ بها، لكنها تصفق بجناحيها وتطير تاركة ريشها نصلا في قلبه، تشق عمق الكون بمنقارها نحو الغيب. وهي بهذا التشبيه والتخييل الذي أضفاه عليها الشاعر سهيل ابراهيم تشبه وصف الشاعر والفيلسوف ابن سينا للروح حين قال في قصيدة منسوبة اليه : هبطت اليك من المحلِّ الارفعِ ورقـاءُ ذاتُ تعـزُّزٍ وتـمنّـُعِ عَلِقَتْ بِهَا ثَاءُ الثَّقيلِ فَأَصْبَحَتْ بَيْنَ المَعَالِمِ وَالطُّلُولِ الخُضََّـعِِ انها مرجان شكلُ المعصية، ومعنى التوبة، ليست هي الروح لكنها تسكن في فضاءات الروح، ولأنها تؤرِّقُ روحَ الشاعر وتقلقه يبحث عن مفرداتٍ تصفها، يقيِّدها في كلمات الشعر وصورِه، أوزانه وقوافيه، أنغامه وألحانه، بعد أن جرَّب التعرُّفَ اليها نثراً في مقدمة المجموعة الشعرية، حاول التعرُّف الى ضفافها وحدودها لأنه لا يقدر على الغوص في لجَّة الروح الحارقة فهي مفتوحةٌ على التناقض (انها التوازنُ كلُّه والانهيارُ كلُّه، والنقائضُ كلها... هي مجاهيلُ العدم) ص /12/. يصوغ الشاعر سهيل ابراهيم في مجموعته الشعرية (مفردات الروح) عشرين مفردةً – قصيدةً للروح، رغم يقينه أن اللغةَ عصيةٌ على الاحاطة بالروح لأنها لانهائيةٌ ومطلقةٌ. عشرون مفردة – قصيدة يجمع بينها الوزن الواحد – نظم الشاعر قصائده على تفعيلة البحر الكامل وايقاعاته، وكلها تدور حول (مرجان) الرمز، وتجلياتها وحالاتها، وآثارها في قلب ووجدان الشاعر. عشرون قصيدة، كل قصيدة تلتزم حرفا هجائيا كقافية لها، ورغم ان شكل القصيدة يبدو للقارئ على شكل الشعر الحديث شعر التفعيلة تاركاًَ الشكل التقليدي – العامودي للشعر، لكن الشاعر التزم تفعيلات البحر الكامل، ما أضفى غنائيةً على النص، فالموسيقا واضحة جلية، تتسارع حينا وتتهادى حينا آخر حسب الحالة الشعرية والشعورية للشاعر. ومرجان بين الحالتين طائر الحلم والوهم، طائر الشك واليقين. يقول في القصيدة /1/: مرجان قادمةٌ على فرسٍ من الذِّكرى لتخطفَ برقها وسحابَها منِّي فتدنو من لظى صدري وتغسل جمرَه وتصبُّ بلسمها على عطش الضلوعِ. مرجان شعرٌ في مدار الروح دارت في فضائي ألفَ عصرٍ ثم غابت في رحاب الافقِ ضاعت وردةً في الريحِ تحت الشمسِ ضوعَ الياسمينِ على مدارات الربيعِ. ما يثير الدهشة في مجموعة (مفردات الروح) للشاعر سهيل ابراهيم أن الشاعر استطاع الاحتفاظ بالحالةِ الشعريةِ والوجدانيةِ، والمزاجِ الشعري والنَّفَسِ الشعريِّ الطويل على مدى عشرين مفردةً – قصيدةً، بل نستطيع القول ان المجموعة كلَّها قصيدةٌ ملحميةٌ شعريةٌ واحدة مؤلفة من عشرين مقطعا، وهذا يدلُّ على مهارة الشاعر في الاحتفاظ بحرارة اللحظة الشعرية، وبقدرته على الايغال في المعاني والافكار والخيالات ليصوغها في قالبٍ شعري متماسكٍ وناضجٍ، منسجمٍ ومتناغمٍ وكأنَّ الشاعر قد كتب هذا النصَّ الطويل في جلسة واحدة، ولا اظن الامرَ كذلك، بل أستبعدُ ذلك. سهيل ابراهيم في (مفردات الروح) يقدم للقارئ نصا شعرياً متألقاً نابضا بالحياة، بالعاطفة والفكر، ويظلُّ محتفظا بطلاوة الشعر ونضارته وروائه الجميل. على مدى قصائد المجموعة تدور لعبة الغواية والاغواء بين الشاعر ومرجان، غواية الابتعاد والاقتراب، الهروب والقدوم، الغياب والحضور، الهجر والوصل، الافتراق والالتقاء، والقارئ بين هذه الحالات يتمتع بنص شعري يحلِّق به في سماوات الشعر القصية، حيث القصيدةُ عالمٌ من الخيالات والاحلام والرؤى. يلعب الشاعر بمهارة فيه بعد ان جعل اللغةَ طوعَ يديه يشكِّلُ منها ما يشاء من صورٍ وأفكار، والموسيقا تتهادى بانسجام وغنائية وسلاسةٍ. (مفردات الروح) نصٌّ شعريٌّ ينعش الروح ويرويها بخمرة الوجد الشعري المعتقة في أغوار نفس الشاعر، وقد صَفَت وتكثَّفت وتركَّزت حتى تطيحَ بشاربِها – قارئها في ملكوتِ الشعر السرمدي، يقول في القصيدة /20/: مرجانُ تيهي في رِحابِ الارضِ لم نَكْسُرْ زجاجَ الروحِ انتِ الانَ في سَفَرٍ وقلبي في زَحامِ الريحِ ما بدَّلتُ من دمهِ سَلِيني عن دروبِ العاشقينَ شَهِدتُ مَن وصَلوا الى عَدْنٍ ومَن ضلُّوا وتاهوا. مِن رؤيايَ يندى الصبحُ في عينيكِ مِن رؤيايَ يندى من لماكِ الخمرُ أقداحاً مِنَ الياقوتِ هاتي ساعدَيكِ على مُتُونِ الموجِ كي يرتدَّ لي قلبي فليس لنا سواهُ. مفردات الروح / مجموعة شعرية للشاعر سهيل ابراهيم صادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب سلسلة الشعر العربي /178/.