التنوير في مواجهة الظلامية الدينية..!

شاكر فريد حسن قرأها 2,202

عادت قضية الإرهاب الفكري القمعي، الذي تمارسه التيارات الجهادية والتكفيرية والاخوانية المتأسلمة، والجماعات الأصولية السلفية المتطرفة، لتصبح العنوان العريض والشغل الشاغل للمثقفين الديمقراطيين النقديين، ولقوى التقدم والديمقراطية والحرية، ولمجموعات اليسار والمعارضة في البلدان العربية.

فيوماً بعد يوم، وعاماً بعد عام، تشتد اعمال التطرف الديني والفتنة الطائفية، ويتصاعد العنف السياسي والإرهاب السلفي والممارسات الظلامية العدائية ضد الفكر التنويري، وضد رموزه من رجالات الثقافة والفلسفة والنهضة والمعرفة والاصلاح والعقلانية،وتتزايد الاعمال الغوغائية التي تنفذها وتشارك فيها قوى الجهالة والتخلف والظلام، وغلاة التعصب المتسترين وراء عباءة الدين، الذين يغطون جرائمهم بالجلباب الابيض، ويخفون إرهابهم باللحى السوداء، ويلجؤون الى السلاح والعنف لفرض آرائهم ومعتقداتهم. فهذا الفكر العظيم بنزعته الإنسانية ورؤيته التقدمية يزعجهم، وأفكار الفلاسفة والنهضويين والإصلاحيين وعقولهم المشعة وإنسانيتهم العميقة ومقارباتهم الجريئة الشجاعة والمنهجية لقضايا وشؤون ومسائل الدين والتراث والشعر الجاهلي، تغضبهم وتؤرقهم.

ولا شك ان هذه التيارات السلفية الرجعية تريد، بافكارها ومعتقداتها ومفاهيمها وآرائها الدينية المتشددة والمتعصبة والمنغلقة وممارساتها القمعية، تغييب العقل والوعي، ووأد ومحاصرة التنوير الفكري الفلسفي العربي، وإزاحة العقلانية من فضاء حياتنا العامة، وتسييد الجهل، وإغراقنا بالظلامية، واعادتنا الى الوراء، الى عصور الجاهلية وازمنة التخلف وكهوف ودياجير الظلام.

والواقع ان المفكرين التنويريين والمثقفين التقدميين كانوا دائماً ضحايا تعسف الحكام الطغاة والحركات الدينية الرجعية، وتعرضت مؤلفاتهم وكتبهم وأعمالهم للحرق. ولا يغيب عن أذهاننا وذاكرتنا مأساة الفيلسوف العربي الاندلسي القرطبي ابن رشد، الذي حاول رد الاعتبار للعقل الفلسفي والمعرفي والنقدي في كتابه "تهافت التهافت" الذي جاء رداً على طروحات وأفكار وآراء الغزالي، لكنه زُجَّ في غياهب السجن، وتمّ جمع كتبه، التي بلغت أكثر من 180كتاباً، وأشعلت فيها النار، وبذلك انتصر النقل على العقل، والسلفية على التجديد والعصرنة والانفتاح.

والمأساة ذاتها حصلت في زماننا وعصرنا الحاضر مع الفيلسوف والمفكر التقدمي العقلاني الكبير الشهيد حسين مروة، الذي شقّ دربه كرجل دين ثم تبنّى الفلسفة المادية وانخرط في الحركة اليسارية منتمياً للحزب الشيوعي اللبناني، الذي كان احد قادته ومفكريه ومنظريه، ووضع كتابه الضخم والهام "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية" الذي أثار جدلاً وسجالاً كبيراً، وتعرض فيما بعد للاغتيال على أيدي ظلاميين إسلاميين متطرفين، مستهدفينه رمزاً تنويرياً في ثقافتنا العربية الاسلامية، ومفكراً جسوراً من طراز خاص، وصاحب مآثرة خاصة في إخراج التراث من محنّطاته. كذلك امتدت هذه الايدي الخسيسة والجبانة لتغتال المفكر الشهيد حسن حمدان المعروف بمهدي عامل، الذي أثرى خزانة الفكر التقدمي العلماني والثقافة الإنسانية المستنيرة بكتاباته وأطروحاته وجهوده ومداخلاته الفكرية ومنجزاته البحثية ذات العمق الايديولوجي الفلسفي المعرفي.

ولم يسلم من هؤلاء الظلاميين الجهلة، الذين يحملون راية التعصب والتكفير، ولا يتقنون سوى لغة العنف والرصاص، ويرهبون المجتمع بالسوط والسيف وسلاح الإرهاب الفكري، العديد من المفكرين والمثقفين والمبدعين، الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مع الموت، وهدفاً للتهديد والتصفية والاغتيال الجسدي، بمجرد الخوض في مسائل خلافية وعقيدية حول مسلمات دينية. فقد هاجموا عميد الادب العربي الدكتور طه حسين بعد صدور كتابه "في الشعر الجاهلي"، وأهدروا دم الروائي نجيب محفوظ وحاولوا تصفيته، واغتالوا شهيد الكلمة الحرة المناضل التنويري العنيد فرج فوده، الذي خاض معركة فكرية شجاعة ومتواصلة ضد تيارات مختلفة تنتمي للاسلام السياسي المعتدل او المتطرف، انتهت بطريقة تراجيدية، حيث اغتيل في وقت كانت مصر تشهد تصاعداً مطرداً في أعمال العنف والاغتيالات والتصفيات الجسدية. وايضاً شنّوا حملات تحريضية شعواء على الكثير من الأسماء والعناوين الثقافية منهم الروائية والكاتبة والمناضلة المصرية نوال السعداوي وزوجها شريف حتاته، والشاعر احمد عبد المعطي حجازي، صاحب الآراء الصدامية والمتناقضة المثيرة للجدل، الذي خاض معارك ثقافية وفكرية كثيرة، وتعرّض لاتهامات التكفير والإلحاد لمواقفه وآرائه السياسية والفكرية، وبيع أثاث بيته في المزاد العلني بقرار من المحكمة.

كما كفّروا الراحل الدكتور نصر حامد ابو زيد بسبب ابحاثه العلمية، التي اراد من خلالها إنقاذ القرآن الكريم من الحالة التقليدية، التي تؤدي الى تشويه جوهر الدين الاسلامي المتسامح المتنور والمنفتح، وإعادة تفسيره وتأويله من منظور هموم الإنسان المعاصر، وفرقوا بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي، بحكم قضائي صادر عن المؤسسة الدينية المصرية، وتم نفيه خارج الوطن حيث اختار هولندا منفاه الاختياري القسري.

ويضاف الى هؤلاء المفكرين الكاتبة والناقدة التونسية الدكتورة رجاء بن سلامة، التي تعرّضت لقمع فكري وهجوم شرس وصل الى حد إهدار وإباحة دمها ودفع طالباتها ليشهدن ضدّها. وهنالك عدد آخر من المثقفين الليبراليين المسلمين اضطروا للهجرة القسرية ليسلموا بجلودهم ومواصلة نضالهم الفكري لإصلاح المجتمع وتحرير الخطاب الديني من التعصب والتطرف والانغلاق. وهاهي الظلامية اليوم تغتال المناضل الحر والمفكر والناشط السياسي التونسي شكري بلعيد، وتطال تمثالي ابوالعلاء المعري في سوريا وطه حسين في مصر، فقد اعتدت خفافيش الليل على التمثالين وقامت بتحطيم رأس تمثال ابوالعلاء وسرقة رأس تمثال طه حسين، والهدف من وراء ذلك طمس إرثهما الفكري والفلسفي والادبي والشعري المضيء، باعتبارهما من طلائع الفكر والادب الإنساني الرفيع، وعمالقة الثقافة العربية المتنورة.

ان مجتمعاتنا العربية تمرّ بمرحلة قاتمة وحالكة، وتشهد حالة ظلامية ورجعية فيما عليها الآن، حيث يسودها الخطاب التقليدي المناهض للتنوير والعقلانية، عدا عن اتّساع مساحة التطرف والقمع الديني، واستشراء الغلواء المذهبية والطائفية البغيضة والمقيته، وغياب الوعي المؤدلج، وانحسار الفكر المعرفي التنويري نتيجة أسباب وعوامل كثيرة. وامام هذه الحالة لا بد من التصدّي بكل قوة وصلابة للخطاب الرجعي والتقليدي السلفي بكل تجلياته وصوره، الذي يتأسّس ويقوم على تخلف الفقراء وإدامة جهلهم وتبرير الديكتاتورية، وضرورة الخلاص من محنة الثقافة الديمقراطية والنقدية بالعودة الى تراثنا الفكري العقلاني وينابيع ثقافتنا العربية الاسلامية، واستيعاب الفكر الديني على نحو جديد متحرر من السلفية الرجعية، وتوظيف هذا الاستيعاب بما يخدم بناء وتطور مجتمعاتنا العربية. فالواقع الراهن يشهد انحطاطاً وارتكاساً في مهاوي التخلف، وتكميماً للأفواه وتكسيراً للأقلام، ويفرض تنويراً حداثياً وتجديدياً وثورة فكرية في العقل العربي لتغييره، واستعادة مكانة العقل وتجاوز المحاولات التأسيسية لرود النهضة والاصلاح، نحو الخروج من ظلمات التقليد الزائف والموت والاحتضار الى نور الحياة والتنوير، وهذا الامر يتطلب إرساء العقلانية والاستنارة والفكر العلمي الايديولوجي والثقافة الجديدة الحقيقية والفن الأصيل الملتزم.

اننا ندعو كل القوى المؤيدة للمجتمع المدني وللديمقراطية والاستنارة، والرافضة للدولة الدينية والتفرقة الطائفية، لتوحيد جهودها ومعاركها الفكرية الحضارية بهدف إنقاذ أوطاننا من براثن الإرهاب الأصولي ومن الأخطار المحدقة التي تحيق بشعوبنا المتطلعة نحو افق الحرية. فقد آن الأوان لمواجهة حقيقية شاملة ذات مستوى شعبي وجماهيري، لا يمكن تحقيقها دون رفع السلاسل والقيود عن الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية والوطنية واليسارية النهضوية، وعن الجماهير، للتحرك الفاعل والوقوف امام الخطر القادم، سياسياً وفكرياً وشعبياً، قبل ان يجرفنا طوفان الظلامية وتحرقنا نيران الطائفية. فلمَ الانتظار بعد ان سُدَّ فراغ التاريخ بهذه القوى الدينية المتطرفة!