أبكيناك أيتها الأرض الخضراء
(1)
في يوم انعتاقك السعيد وكان الشتاء في يناير، قبلنا ثراك مائة قبلة عنيفة حنون ذرفنا الدموع الفرحانة الهتون.. وكفتيان الحارات البازغين، وقد انتبهوا إلى حناجرهم وقاماتهم فجأة ركضنا إلى رسائلنا المنسية، وأوراقنا المخطوطة التي لم ندفع بها إلى البريد.. نشرناها كهلوسات غرفنا الخفية العتماء عزفناها كبيان ثوري هادر همسنا بها رفقا كإنجيل..
(2)
في مساء ذلك اليوم الفانتازي الغريب، وأنت بعد مدهوشة عليلة، سكبنا كالعشاق البهاليل مائة قارورة من رحيق النارنج في أغياب " بني مطير"، ألف كيس من دقيق الملح في سباخ "القيروان"... مائة ألف دن نبيذ من أجود نفط الدعاة ودسسنا أنوفنا المتربة بعد في شعرك السائح المنهوب على ثغور النار والريح..
(3)
ذرفنا الدموع من جديد ثم سلوناك وكان الربيع في أبريل، جئنا نتعرى في نهر مرآتك الصافي فلم نجد عبير الياسمين في "أبي سعيد الباجي" ولا ريح الزعتر البري في الشمال الغربي ولا شيحا زكي الروح في السهوب،… لانبقا، و لا ورقا أخضر.. لم نر في جنة العليق توتا أحمر، ولا شجرا على الضفاف....
(4)
كنت يا أيتها الأرض الخضراء كامرأة في العراء، متشردة وبردانة، والوديان تتخبط ملتاعة فيك، لما يزل ماؤها الهائل الغزير، مسافرا باتجاه البحر النائي غريبا مثلك وحزينا...
(5)
أبكيناك تونس عفوا! لم نجد القبعة الملائمة لنحييك ولا الطاعة الذلول بين أولاد عاقين وأم شابة، تترهل بسرعة كأرامل الحروب، كالمطلقات خارج البيوت...
سامي طلايلي كاتب تونسي - أبوظبي / فبراير 2013
الكتاب في سطور
- عضو في لائحة مسرد القصة التونسية.
- له مجموعة قصص منشورة بتونس في 2003 بعنوان "هسيس الوحشة".
- له مسرحية مخطوطة:" ليلي الشارع الخالي" في 1996
-له رواية بصدد الانتهاه تحت عنوان: "قد يأخذ الربيع حذاءه"
- له نصوص ومقالات عديدة منشورة في دوريات تونسية وعربية في السرد والنشر الشعري والنقد من أهمها مجلة الحياة الثقافية وقصص بتونس ومجلة "كتابات معاصرة" اللبنانية.
- (من المقالات: "مواكب الرحيل والموت" قراءة في شعر المتنبي،" فستان الغمام" قراءة قدمت بمدينة الكاتب محمد علي اليوسفي" باجة" بحضوره في الأحتفاء بصدور روايته: "شمس القراميد "..)
- له نصوص منسورة في عدد من المجلات الثقافية الإلكترونية مثل: "المسافات لازمة لليقظة" و"اللوحة التاسعة" و "بورتريهات للحنين".....