3

:: بعض النقّاد يكتبون لحسابات خاصّة والرواية ليست ديوان العرب – حوار مع أ. د. عبدالله الفَيفي ::

   
 

التاريخ : 01/08/2011

الكاتب : أجرى الحوار أكابر الأحمدي   عدد القراءات : 1953

 


 

 

 

رفع كفاءة النقدي الشعري للدرجة التي تؤهل للإسهام النشط في إثراء الساحة الشعرية، مشاركاته ما هي إلا دعوة صريحة جريئة للنهوض بالشعر والخروج به من واقعه إلى رحبات التطور، إنه ابن القصيدة الذي أجرينا معه هذا الحوار وكانت أراؤه تمثل في ذاتها بصمة خاصة في مسيرة مبدع بشهادة الوسط الثقافي، إنه الشاعر الناقد الدكتور عبد الله الفيفي.

 

س1- في البداية دعني أقدم لجمهورك اعترافًا منك على حقيقة مبنية على الحجة والبرهان بأن هذا الزمن هو زمن الرواية بامتياز وبشهادة القارئ نفسه الذي  انكب على اقتناء ومطالعة الرواية، معللًا ذلك أن السرد المباشر أقرب إليه كما أن الرواية قادرة على ملامسه واقعه وكل المغيب والمسكوت عنه دون وصاية الشرح والتفسير التي تتطلبها القصيده؟

ج1- ما تفضّلتِ به ليس اعترافًا في الواقع، لا منّي ولا من غيري، بل هو دعوَى، لا دليل عليها.  ذلك لأن الجمهور ليس بالحَكَم في مثل هذا الأمر.  الجمهور يُقْبِل دائمًا على ما يَسُرُّه ويُبْهِجُه، وعلى ما سَهُل ولَذَّ، وإنْ كان غير جيّد، أو حتى لو كان ضارًّا.  ولو كان الجمهور معيارًا، لفسدت القِيَم.  ولو كان مقياسًا لقلنا، إذن، إن هذا زمن الشِّعر العامّي، مثلاً؛ لأن جمهوره أكبر من كلّ الجماهير، بما في ذلك جماهير الكُرَة.  هذه المفاضلات محض أغلوطات، لا علاقة لها بالقِيَم الحقيقية لكلّ جنسٍ أدبيّ.  ثم إنْ كان المقياس هو إقبال المتلقّين، فمن المتلقّون هنا؟ إنهم عامّة الناس.  وإنْ افترضنا أن الإقبال أكبر اليوم على الرواية، وهو افتراضٌ غير دقيق، فتلك علامةُ تَرَدٍّ ثقافيّة عربيّة، لا علامة نُضْج؛ لأن الرواية العربيّة نفسها غير جيّدة كثيرًا ولا قيّمة، بل تغلب عليها الرداءة والابتذال، شكلاً ومضمونًا. غير أنها- بحالتها تلك- تلبّي حاجات نفسيّة وعاطفيّة وخياليّة، شعبيّة الحساسية، لا رفيعة الذائقة والمعرفة.  ومِن ثَمَّ فإن الظاهرة غير صِحيّة إجمالًا، بل هي- إنْ صحّت جماهيريّة الرواية-  مؤشِّر على المستوى العامّ للقرّاء العرب.  وفي كلّ حال، فإن مثل هذا السؤال النمطيّ إنما يأتي عادةً في سياق المباهلات العربيّة الدارجة، وغير العِلْميّة.  وتظلّ لكلّ فنّ، في كلّ زمان ومكان، وظائف إنسانيّة نوعيّة، لا يُغْني عنه فيها غيرُه. 

 

 س2- هل استطاع الشعر السعودي من وجهة نظرك أن يحافظ على شخصية وأن يعبر عن رؤية حيال الأشياء بالرغم من مواكبته لمظاهر التجديد في الشكل الشعري والقضية المتناوله؟

ج2- الشِّعر في السعوديّة ملمح من ملامح الوجه الشِّعري العربيّ، والإنسانيّ.  وكان يُفترض أن يكون ملمحَ الوجه الأصيل؛ لأن الجزيرة العربيّة هي معدن اللغة العربيّة وشِعريّتها.  غير أنه في العصر الحديث ظلّ متجاذَبًا- غالبًا- بين محاكاة الماضي، ومجاراة الشِّعر في أقطار عربيّة أخرى، ومتابعة النماذج الغربيّة.  فلم يَبْق الأصيل، ولم يقترح حداثة.  وفي كلّ ظاهرة شواذّ، طبعًا.

ها نحنُ سِرْنا الثَّمانِيْنَ العِجافَ فلا  ***  كالغَــرْبِ صِــرْنا ولا كالعُـرْبِ نَبْنِـيْـهِ!

 

س3- إلى أي حد استطاع الناقد السعودي التوفيق بين آليات المناهج الحديثة وفرضيات النص الشعري الحافز؟

ج3- هذا موضوع يطول.  والنقد التطبيقيّ قد بات أعزّ من الكبريت الأحمر.  في المجمل، ومنذ قرابة ربع قرن، لم يَعُد النصّ غاية، بل وسيلة للعرض النظريّ.   لأن الناقد يأتي إلى النصّ لا ليقرأه، أو ليصغي إلى ما تقترحه عليه سواقيه في البُعد النظريّ، بل يأتي مدجَّجًا بأسلحته النظريّة، متخذًا النصّ ساحةً لمناوراته النقديّة.  وهذه ظاهرة عربيّة، لا سعوديّة فقط.  وإلى هؤلاء نقّاد آخرون يكتبون لحسابات خاصّة، فالنقد لديهم- إن صحّت تسميته بهذا الاسم- مصدر رزق، أو جاه، أو ضوء، أو خدمة توجّه، أو مناكفة آخر، فهو لذاك نقدٌ مصلحيّ، انتقائي جدًّا، لا وفق معايير موضوعيّة للانتقاء، من أجل فرز الغثّ من الثمين، ولكن وفق معايير جَيبيّة، أو شخصانيّة، أو حزبيّة، أو تيّاريّة.. إلخ.  ولا غرو، فهذا خيط من نسيج الفساد الثقافيّ العامّ في محيطنا العربيّ.  ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن لا يُثمر مثل هذا النقد، لا على مستوى التنظير ولا على مستوى التطبيق.

 

س4- هل استفاد النص الشعري من القراءات النقدية الحديثة؟ وما أثر ذلك في مستويات التلقي للنص الشعري؟

ج4- أشكّ في ذلك.  للأسباب التي أشرتُ إليه في إجابة السؤال السابق.

 

س5- مثلت الرسائل العلميه لدرجتي الماجستير والدكتوراه رافدًا مهما من روافد النقد الشعري السعودي، خاصة الرسائل المبكرة قبل حركة التأليف والنشر في الداخل، ومن أشهرها دراسة عبد الرحيم بكر عن (الشعر الحديث في الحجاز) فما دور هذه الدراسات المبكرة في حركة النقد الشعري المحلي ؟

ج5- لعلك تقصدين عبدالرحيم بن أبي بكر، رحمه الله، المتوفّى 1402هـ.  مؤلِّف كتاب "الشِّعر الحديث في الحجاز في الفترة من 1916م إلى 1948م"، وهو من منشورات النادي الأدبيّ بالمدينة المنورّة عام 1397هـ.  ولا شكّ أن دَور تلك الرسائل العلميّة دَورٌ تأسيسيّ في تاريخ النقد الحديث في المملكة.  لكن حركة الشِّعر تتطوّر، وكذلك حركة النقد، ولا تقف عند إنجازٍ أو مرحلة.

 

س6- مصطلحات التجنس من أولى المصطلحات المعايرة في الأدب والنقد والتي تخط الطريق أمام أطراف العمليه الإبداعية فكيف تسهم في كيفية تلقي العمل والتفاعل معه بعيدا عن أزمة فقدان هوية المنتج الإبداعي التي يتحايل عليها كثيرون تحت عنوان (نصوص أدبية) اعتقادا منهم بأن الإبداع مجال مفتوح على الإطلاق يرقى فوق تحديد الجنس وقيود التجنس؟

ج6- هذا بالفعل أمرٌ ملحوظٌ اليوم.  تحت أسقف النقد الواطئة، صار يقتحم الأجناس الأدبيّة مَن ليس منها في وِرْدٍ أو صَدَر.  بل مَن لا مؤهِّل له، لا في اللغة ولا في أدوات الكتابة الأدبيّة، ولا في الجنس الأدبيّ المستباح.  اجتُثَّتْ أصول القصيدة، مثلاً، وأُسقطتْ كلّ عذريّاتها، وامتُهن شرفها، وشُوّه جسدها- عن إصرارٍ وترصُّد- من اللغة إلى النحو، فالبلاغة، فالموسيقى، فالمبنى،  والمعنى، فما عادت لا شِعرًا ولا نثرًا، لا عربيّة ولا أعجميّة!  ولا تخلو الرواية كذلك من حدوث بعض التحايل الفنِّي، ولكن بنسبة أقلّ وأكثر انكشافًا.  ومن ذلك أن يَمُطّ الكاتب قِصَّةً كي تصبح رواية، ولو "رواية قصيرة جدًّا"!- على طريقة بروكرست Procrustes، الذي تحكي الأسطورة الإغريقيّة أنه كان يمطّ مختطَفيه على سريرٍ حديديّ؛ فإن تجاوز طول المختطَف السرير قَصّ من رجليه، وإن قصر عنه مطّه حتى يسوّيه بالسرير- والمهم تكثير سواد الروائيّين العرب!  وظاهرة مَطّ القِصّة على سريرٍ روائيٍّ حديديّ يلفت النظر الآن حتى لدى كُتّاب يُعَدّون كبارًا، يَعمدون إلى الإسراف الفاحش في تفاصيل الأشياء، ووصف الأشخاص والأماكن، بل سرد تفاصيل التفاصيل، على نحوٍ مملّ للقارئ، ولا يعنيه في شيء، ولا يرتبط بالأحداث، فضلاً عن أن يُسهم في تطوّرها أو في تنامي الرؤية الروائيّة، وكأن دافعَ المؤلِّف المؤرّق تكثيرُ الصفحات وتضخيم العمل.  وهنالك كذلك من رَكِب قاطرة الرواية لأغراض فكريّة، وأهداف اجتماعيّة وأيديولوجيّة، غافلًا،  أو متغافلًا، عن أن الرواية أدبٌ في المقام الأوّل، لها أدواتها اللغويّة والفنيّة، وليست مطيّةً لتوصيل أغراض!

 

س7- النفس الشعري الطويل هل هو تدفق الموهبة الشعرية أم أنه جزء من الميول الاستعراضية لدى بعض الشعراء؟ ولماذا لا يوجد شاعر من شعراء التفعيله يجاري هذا المجال؟

ج7- لكلّ مقامٍ مقال، وقضيّة الإيجاز والإطناب ناقشتها البلاغة العربيّة القديمة، وكانت ترى أن الأمر في ذلك يُمليه مقتضى الحال؛ فما يَحْسُن فيه الإيجاز لا يَحْسُن الإطناب فيه، والعكس بالعكس.  إذن، لا يمكن إطلاق تعميمٍ في الحُكم هاهنا.  وقصيدة التفعيلة تفعل هذا وذاك.  بل لعلّ الإطالة أظهر فيها من القصيدة التناظريّة؛ والسبب أن الإيقاع، المتحرِّر فيها من أنكد القيود العَروضيّة، قد يستدرج الشاعر إلى كثيرٍ من الثرثرة السهلة الفارغة.  فإذا كان طول النفس في القصيدة العربيّة قد يُحسب للشاعر- على الأقلّ في تمكّنه اللغويّ والتعبيريّ والفنّي؛ لأن شروط القصيدة العربيّة صارمة، بل قاسية أحيانًا- فإن الإطالة في قصيدة التفعيلة، بلا مقتضى دلاليّ، يُعَدّ خروجًا جوهريًّا عن الشِّعريّة؛ فالأصل في الشِّعر أنه لَمْح لا شَرْح. 

 

س8- هل توافقني بأن بعض النقاد المعاصرين احتفوا بالنموذج الغربي دون فهم واضح لمعالمه وإجراءاته فحدثت المتاهة ووقع كثير من النقاد في دائرة الاضطراب والتناقض وهذا يعود سببه إلى عدم الفهم الكامل لتلك المناهج والرغبة العارمة لدى الكثيرين في الوصول إلى الشهرة واثبات الذات في ظل التدفئة الموقوتة في عباءة الغرب؟

ج8- من حيث التدفئة، نحن- العرب- بحمدالله، لا تنقصنا التدفئة، لأن أجواءنا قائظة غالبًا، وهي تُغْنينا عن عباءات الآخرين، بل عن عباءاتنا نحن، لو سمح الحال!  أعني أن لدينا بالفعل من المعطَى المعرفيّ والثقافيّ ما كان جديرًا بالاستثمار والتنمية، دون إغفال الإفادة من الآخرين.  لأن الظاهرة النقديّة اليوم، كالظاهرة الأدبيّة، لم تَعُد بمعزلٍ عن الآخر، ولا بمنأى عن مؤثّرات هذه الشاشة الصغيرة التي أصبحنا نتقاسمها مع العالم.  نعم، هناك مَن مَسَّه الشعور بالنقص الحضاريّ، فهاجر واغترب، لا أرضًا قَطَعَ ولا ظهرًا أبقَى، وهناك من أتى البيوت من أبوابها، فأضاف ما في رؤوس الآخرين إلى ما في رأسه، ولم يَرْتَدِ عباءة الآخرين من شعورٍ ببَرْد، بل لم يَرْتَدِها كما هي، بل اتّخذها لَبوسًا مشرِّفًا، لا رَثًّا، ولا غريبًا مُنْكَرًا.  كلتا الطائفتين آتت أُكُلها، عِنَبًا أو حنظلاً، غير أن الأخيرة هي الأندر، وهي- بالطبع- الأقرب إلى الذائقة العربيّة، والأجدر بتمثّلها الغذائيّ.    

 

س9- لماذا نجد أغلب الشعر العربي ما زال يغرق في بحور الحداثة وما بعدها مما ولد نصوصا تخلو من الشعرية؟

ج9- ليست لدينا في الواقع حداثة عربيّة، ولا ما بعدها!  ما لدينا هو تقليد حداثات أخرى ومحاكيات شكلانيّة.  ألا ليت الشِّعر العربيّ كان حقًّا غارقًا في بحور الحداثة الحقيقيّة، وما قبلها وما بعدها أيضًا، إذن لكان حاله وحالنا غير الحال.  ومفهومي للحداثة هاهنا، تلك التي تبني على أرضها، وتشتقّ معمارها من أصولها المعماريّة، وترتسم سحنات وجوهها من جنسها وحضارتها وهويّتها وقَسَمات أهلها.  إن الحداثة ضروريّة لبقاء الحياة نابضة في كلّ شيء وشأن.  غير أن ما نسمِّيه حداثة عربيّة عادةً هو في معظمه حِراثة بحريّة، وغثاثة نوعيّة، ودياثة حضاريّة.  ولو توقَّفتْ الآثار عند "الشِّعريّة" لهان الأمر، فما أكثر الغثاء باسم الشِّعر في كلّ العصور واللغات، لكن الآثار هنا أبلغ من مسألة الشِّعر والشِّعريّة وأَطَمّ.

 

س10- في نهاية لقائنا ماذ تحب ان تقول؟

ج10- شكرًا لكِ، وللجزيرة.

 

(نُشر بعضه في جريدة "الجزيرة"، العدد 14181، الأربعاء 27 يوليو 2011م، ص19)

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.