3

:: سياسيو الشارع ::

   
 

التاريخ : 28/11/2006

الكاتب : د. إياد قحوش   عدد القراءات : 1616

 


 

مررت به ككل مساء سبت, لندردش معا عن الشعر والفن والتاريخ وعن عاداتنا التي تكاد تنقرض, وعن ذكريات الطفولة بين الجبال والوديان كمعظم أبناء القرى. بدا لي مغتما وحزينا أكثر من المألوف. وان كان حزينا بطبعه, الا أن القلق هذه المرة كان ظاهرا في وجوم وجهه, وعقدة حاجبيه, وحتى في حركة يديه المتوترتين.


قلت له :

-      "سعيده" عم بوفادي

رد قائلاً:

-      سعيدة مباركة, تفضل ..تفضل

قلت:

-                  يزيد فضلك, ثم أردفت هل وصلتك الترجمة الجديدة لكتاب رمل وزبد لجبران? انه من ترجمة مفيد مسوح ومراجعة هنري زغيب.
فقال متجهماً:

ولشو عم يترجموا ..في حدا عم يقرا غير سْياسة بْهالأيام؟!

 

 

    

كانت هذه أول مرة أرى فيها "بوفادي" يقحم نفسه في السياسة. كان دائماً يقول لي:

"الساسة كذابون وأنا لا أحب التحدُّث عن كذابين منافقين". أما اليوم فبدا وكأنه لايرغب في الحديث عن شيء عدا السياسة.

كان كلما رآني داخلاً بيته, ينهض من مقعده ويذهب الى غرفة مظلمة بعض الشيء وفيها أكياس من الكتب القديمة النادرة لعبدالمسيح حداد, ونسيب عريضة, ومخائيل نعيمة, ومجلات إيليا أبي ماضي, والريحاني وأيضا لعائلة المعلوف الأدبية. أما اليوم فكان بيده بضعة أوراق نسخها له حفيده يوسف من الانترنت وكلها عن السياسة.


سألته بلطف:

-      شو رأيك ؟


كان مكفهراً, لكنه ككل الحكماء, أديب في أجوبته,عميق في ردوده. أجابني:

-      ضايعة الطاسة!

 

قلت:

-      ما تقصد؟

أجاب:

-      طيب .. هناك فئة ضد إسرائيل ,كويس أنا ضد إسرائيل. وهناك فئة ضد تدخل سوريا بشؤوننا, وأنا ضد تدخل الساسة السوريين بشؤونا.

 

قلت:

-      اذن أين أنت ? يبدو أنك مع الفئتين معا !

 

فرد قائلاً:

-      للحقيقة لست مع أي الفئتين. لا أحد يمثلني?

قلت:

-      لماذا ?

فقال:

-      يا ابني لكي تكون وطنياً, لا يهم أنت ضدَّ مَن, المهم أنت مع من ??


فقلت:

-      وأنت مع من؟

فقال:

-                   أنا مع الفقراء الذين لايملكون المال لشراء الفيزا والهرب من المصائب ..

أنا مع الأطفال الذين يردِّدون نشيد الوطن الواحد وكأنهم يرددون صلاة الندامة ..

أنا مع الفلاحين الذين يذهبون الى الحقول دون الاستماع لنشرة الأخبار ولا يهمهم أسعار البورصة. أنا مع العمال الذين يكدحون ليل نهار لكي يأكل وطني ويلبس وطني ويعيش وطني.

كثرتْ الانتماءات في وطني, وتعددت الأحزاب, وتنوعت الأعلام, وتباعدت القرى والمدن, وكثرت تلفيزيوناته وجرائده.

يا ولدي..

وطني الآن مشرذم, وطاقاته مهدورة, ومصلحته مغيبة, وساسته تجارة.

وطني ضائع بين أقلياته الدينية والعرقية والمذهبية والفئوية والاثنية وهو بحد ذاته قليل في مساحته وحجمه ووزنه وسكانه وخيراته. والذين يتحكمون به قليلو تهذيب وحكمة وأخلاق وكرامة وحس وذوق وذكاء ووطنية أيضا.

 

قلت له:

-      كفى ياعم "بوفادي ". دعنا نعش بالأحلام ونصحو وننام على "لبنان ياقطعة سما" و"لبنان الكرامة والشعب العنيد" و "لبنان الحلو لبنان".

 

واذ همَمْتُ بالرحيل وأنا أودعه على باب بيته قاصداً الشارع, نظر الي بحزن وأسى قائلاً:

-      يا ولدي سياسيو وطني أبناء شوارع, لذلك كلما دقّ الكوز بالجرَّة يحتكمون الى الشارع !


ثم قال:

-      لا تنس أن تجلب معك الأسبوع القادم بعض مقالات جبران من رمل وزبد, أما أنا فسأقرأ عليك قصيدة الطلاسم لأبي ماضي.

 

ودخل بيته، وأنا لا زلت أسمعه يردد الطلاسم ..

-      آه .. هدول هني حكامنا ..      مش بس طلاسم..      طلطميسي كمان.

 

 

مصدر الموضوع مجلة ليلى بعيني الأدبية

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.