3

:: مات الحاكم لكنه عاش... - أَزرار - الحلقة 954 ::

   
 

التاريخ : 27/08/2016

الكاتب : هنري زغيب   عدد القراءات : 1064

 


 

 

في السلسلة الرائجة "أَسرار التاريخ" التي يقدّمها ستيفان بيرن من التلـﭭـزيون الفرنسي، شاهدتُ هذا الأُسبوع حلقة "لويس الرابع عشر: مات الملك عاش الملك"، وفيها وثائق تاريخية عن مآثر "الملك الشمس" وما تركه في عهده الطويل (72 سنة) من إِنجازاتٍ ما زالت حتى اليوم فخرَ فرنسا وتاجَ تراثها: الكوميدي فرنسيز، الإِنـﭭـاليد، سان سير، أَكاديميات الرسم والنحت والهندسة والعلوم، ... وخصوصًا قصر ﭬـرساي الذي فتحه لنهضة أَدبية وعلْمية وموسيقية ومسرحية أَنتجت برعايته وتشجيعه وشغَـفه بالثقافة أَعمالًا خالدةً فرنسيةَ الولادة لكنها اليوم عالميةُ الأَثَر، وجميعُها تَدين بظهورها لـ"الملك الشمس" الذي يعرف القليلون عن إِنجازاته السياسية الـمَـلَـكـيـة لكنّ الكثيرين في العالم يعرفون فضله على نهضة وطنه الثقافية التي خلَّدها فخلَّدتْه معها.

هنا جوهرُ الموضوع: ما يترك الحاكم في عهده من مآثــرَ يُـنشئُها برعايته فيَأْمَن خلودَها وتحفظ له خلودَه. وهذه المآثر غالبًا ما تكون ثقافية لأَنها تولَد يومًا وتظَل حيَّة كل يوم، بينما الإِنجازات السياسية يُطلقها الحاكم في حينها ونادرًا جدًّا ما تبقى على اسمه بعد مغادرته السلطة أَو الحياة.

 

لوحة للويس الرابع عشر

قليلون مَن يذكرون تاريخ الانتهاء من شق ترعة السويس (1869)، لكنّ الكثيرين يعرفون أَن الاحتفال بهذا الإِنجاز المصري التاريخي تـمّ على عهد الخديوي إِسماعيل الذي أَوصى بإِنشاء دار الأُوﭘــرا الفخمة في القاهرة وتـمّ بأَمره ورعايته تكليف المؤَلف الإِيطالي جيوزيــﭙـي ﭬــيردي تأْليفَ عملٍ موسيقي للمناسبة فوضع أَوﭘــرا "عايدة". ومــرّ الزمن: مات الخديوي إِسماعيل، ومات ﭬـيردي، وأُوﭘــرا "عايدة" باقية حيَّةً مدى الأَيام ، لا يتم تقديمُها في أَيّ لغةٍ أَو مدينةٍ من العالَم إِلّا وتَذكر النبذةُ عنها أَن ﭬــيردي وضعَها بتكليف من الخديوي إِسماعيل.

 

 

مشهد من عرض أوبرا عايدة لفردي

 

وكذا الأَمر عن الخليفة المأْمون بِـجعلِه "بيتَ الحكمة" في بغداد "أَوّل جامعة في التاريخ"، كان لحركة الترجمة فيه أَكبر الأَثَر على نهضة عربية كبرى ازدهرت في العصر العباسي وما زالت حتى اليوم تاجَ التراث العربي.

الشاهدُ من هذه المرويَّـات: التأْكيد على أَن الحاكم الذي يُضمر الخلودَ لاسمه ولولايته، فَلْـيُـرَكِّـزْ على النهضة الثقافية الإِبداعية في عهده، رعايةً وتشجيعًا ودعمًا مبدعيها لا لأَجلهم وحسب بل لأَجله هو أَيضًا لأَن التاريخ يَذكُرُها منسوبةً إِليه، أَكثر مما يَذكُر كم حكومةً أَلَّف في عهده، وكم شارعًا شَقَّ في المدينة، وكم مرسومًا ملَكيًّا أَو جمهوريًّا يَحمل توقيعه.

المواطنون يتقرَّبون من الحاكم كي يَكبَروا به. أَما المبدعون فالحاكم يتقرَّب منهم، لا لتكريمهم بل ليَـتَـكَــرَّم هو بهم لأَنهم، بآثارهم الأَدبية والفنية، هُم القادرون على نقْله معهم إِلى عرش الخلود حين يَذكُر أَعمالَـهم التاريخ.

وعندئذٍ يكون فعلًا "مات الملك" لكنه عاش بإِنجازاته الثقافية.

 

 

يتمّ نشر هذا المقال بالتّزامن مع نشره في صحيفة "النهار" بتاريخ 27 آب 2016

email@henrizoghaib.com

www.henrizoghaib.com

www.facebook.com/poethenrizoghaib

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.