3

:: حاجة المؤلف وعلامات الإبداع! ::

   
 

التاريخ : 08/04/2015

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 847

 


 

 

 

المبدع بعقله وبأفكاره وحواسه وبأنامله التي يمتلكها يستطيع نقل تلك الأفكار بذكاء مدروس ومخطَّط له، ليصنع من العالم قصة ذات تقنية معتمدة على الواقع أو الخيال، مختزلة في الفكرة، مثيرة في اللقطة، ليحولها إلى موسيقى شعرية جميلة، تتطاير فراشاً في أذن سامعها، لتثير شجون وأحلام عشرات القلوب المرهقة المرهفة، لتتكسَّر على خشبة المسرح فاردة جناحيها بقوة، تعبّر عمّا تريده لغة جسدها بيديها، بعينيها، بحركات من جذعها، وبقعة الضوء تلاحقها في سرعة وتصفق لها الجماهير.

هذا المبدع الحقيقي الذي يتحول النص بين يديه إلى شيء ملموس قادر بكل ذكاء على أن يجعلنا نشعر بالقيمة الحقيقة لذلك النص، وبالشعور القوي له، وبالقرب منه، فكلما تحول من تقنية إلى أخرى حمل معه أدوات جديدة، وكيف هو نفسه مع تلك التقنية، إنه يشبه بذلك الحرباء التي تحول نفسها بسرعة فائقة مع البيئة التي تعيش معها، فهو لا يكتفي بهذا الشيء، فالمبدع ابن بيئته يوظف جميع ما حوله من معالم ولد فيها وكبر معها وتعلم كل شيء عن تفاصيلها.

وبعض المبدعين يسارعون إلى الكتابة عن التطورات القادمة في المجتمع والحاصلة فيه وينغمسون في هذه التفاصيل التي تبهرهم، وتشعل فيهم الحماسة ويبتعدون عن بعض الأمور التي لها قيمة كبيرة وتكوِّن تراث المجتمع والحياة في كل بيئة، علم "الأنثربولوجيا"  الصحراء والبحر والنخلة والتراث ومعالم أخرى تشكل جزءاً من تراثنا لا يمكن الاستغناء عنه نهائياً، ولا يمكن الارتباط به بشكل نهائي في الكتابة، بل يمكننا توظيفه بكل ذكاء بحيث يصبح جزءاً من النص يمكننا أن نناقشه ونطرحه حتى يتفاعل الجمهور معه ويشعر بقيمته.

إن المبدع يحاول أن يوجه  إبداعه إلى معالجة المشكلات التي تعترض مجتمعه، فالسياسي ألكسندر ريبو، يقول: "مهما كان الإبداع فردياً فإنه يحتوي على نصيب اجتماعي". وهذا الرأي أتفق معه لأنه يوضح أن المبدع لا يستطيع أن يستغني عن الواقع الاجتماعي الذي يعيشه فهو يستقي مادته منه.

إن الاستمتاع في كتابة النص الأدبي هو القيمة التي يجنيها المبدع ، فالكتابة ليست فرضاً يؤديه وينتهي منه، إنها حالة إبداعية تفرضها عليه الظروف التي يعيشها، القلق الذي يعانيه، والألم الذي يستشري في أعماقه ويزلزل كيانه، فتلك النصوص التي تخرج إلى الوجود، لا نستطيع القول إنها جاءت بمحض المصادفة، إنها نصوص تولدت مع الوقت، وعاشت زمناً في عقل مبدعنا لتختمر، ومن ثم نقلها إلى الورق لتعود إلينا، إنها أشبه بدورة في الطبيعة، فكل دورة في الحياة لا بد وأن تبدأ عند نقطة لتنتهي عن نقطة، وهكذا النص الأدبي يبدأ بمعاناة لينتهي بأي شيء يريده الكاتب، وقد يترك النهاية مفتوحة لتوقعات القارىء، ينهيها بمأساة، بنهاية فرحة، كل تلك النهايات على حسب المؤلف.

إننا كقراء، لا نستطيع الحكم على حالة المؤلف ولا مزاجيته وهو يكتب النص الأدبي فهو محكوم بظروف معينة، ومعاناته لا تبدأ من كتابة النص الأدبي فقط بل إنها قبل ذلك بكثير، والنص الأدبي ربما يكون آخر الأمور التي جعلت مشكلته يتولّد منها نصٌّ أدبي جميل يظهر للوجود، وينتقل إلينا، ينقل حالة شبه كاملة إنسانية مشحونة بالعديد من الأسى والحزن والتعاسة.

أخيراً.. يمكننا القول إن النصَّ الأدبيَّ يبقى العزاء الوحيد للأدباء للتعبير عما يعانونه، وللتعبير عما يعانونه، وللتعبير عما يجول في خواطرهم، فهو يستوعب ما في خواطرهم وعقولهم وقلوبهم.

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.