3

:: لا بأس ببعض العزلة! ::

   
 

التاريخ : 21/02/2015

الكاتب : فاطمة المزروعي   عدد القراءات : 1273

 


 

 

 

حياتنا مليئة بالصخب والضجيج، وهي محمّلة بالهموم والواجبات ولكل واحد منا أن ينظر ليومه متى يبدأ ومتى ينتهي، وأن يراقب تصرفاته في هذا اليوم وأحاديثه وسيجد أن معظمها بلا فائدة بل تجلب التوتر للنفس وفي أحيان الألم.

فكرة العزلة أو الابتعاد عن الناس، ورغم أهميتها وفائدتها لصفاء الذهن وتجديد وشحن الطاقة، إلا أن مثل هذه الفائدة قد تنتكس وتسبب لنا بعضا من الأمراض النفسية التي تعتبر فعلاً خطيرة، وأقصد تحديداً أن تتحول مثل هذه العزلة الاختيارية لنوع من الهروب من مواجهات الحياة وضغوطها، وتكون فرصة أو عذراً للتخلص من الواجبات اليومية. لقد أثارتني كلمات تلقّيتها على بريدي الالكتروني من إحدى القارئات كانت تقول فيها: "لقد اكتشفت أن في البعد عن الصديقات فرصة حقيقية لأتمكن من اكتشاف نفسي، لأتعرف على ما أريد، لأسمح لعقلي بأن يتحدث معي وأن أصغي له، لقد كان يومي دوماً محمّلاً بالواجبات الاجتماعية والدراسة والأسرة، بعد أن تركت جميع هذا جانباً شعرت بمعنى أن يكون لديك وقت من الفراغ، أن يكون لديك وقت لا تشعر فيه أنك مستعجل أو في عجلة من أمرك، أن يكون الوقت متّسِعا دون إزعاج أو موترات. إن نعمة الفراغ لا تقدّر بثمن، ولا أعرف كيف نهدره أو نسمح بفقدانه من أجل أن نُمضي جُلِّ يومنا مع صديقات لا همَّ لهنّ إلا التسوق والحديث عن فلانة وفلانة، جلستي مع نفسي وعزلتي أكسبتني الصفاء والنقاء وسمحت لعقلي بالنمو والتمكّن من الحكم على مختلف القضايا وحلّ كثير من الهموم".

ولهذه القارئة أقول: لقد أحسنتِ وأسأتِ.. أحسنتِ بأن تأخذي بعض الوقت مع نفسك لإعادة التفكير والمراجعة مع الذات، هذا سلوك ممتاز وممارسة تنمُّ عن الفهم والمعرفة، وأسأتِ بالتعميم وأن تكون هذه هي حالتك دائماً، لأنك ستخسرين مجتمعا يزوّدك بالخبرات والمعارف التي لن تجديها إذا لم تحتكِّ بالناس على مختلف مشاربهم وألوانهم وأخلاقهم. والذي أقصده تحديداً أن التطرف في كلا الجانبين أمرٌ مذموم، بمعنى أن نختار العزلة السرمدية ونبتعد عن ناسنا وأهلنا وأصدقائنا بحجة أن لا فائدة تذكر منهم خطأٌ فادح، وبالمثل لو قررنا أن نتوجه نحو الاختلاط بالناس وننمّي الأصدقاء ونكثر من الزيارات والطلعات والرحلات، لتصبح هي يومنا التام الكامل، ودونها لا تكتمل فرحة ولا سعادة لنا، هذا أيضا خطأٌ فادح، لأننا سنصبح في دوّامة لن نخرج منها.

والمطلوب في هذا السياق هو الوسط، فلا تشدّد في الابتعاد والعزلة لتكون مستمرّة ودائمة فتداهمنا الأمراض والمواجع النفسية مثل أن تتلبّسنا حالة من حالات الرهاب الاجتماعي في حال قررنا العودة لمحيطنا الاجتماعي بعد عزلة طويلة ومقيتة، وأيضاً لا يجب أن تكون أنفسنا لوظيفة واحدة يومية وهي الزيارات والطلعات دون أي اهتمامات أخرى دون معارف جديدة وعلوم نكتسبها وخبرات تضاف لسجلِّنا الحياتي، فهذا أيضاً مرفوض وغير مطلوب.

لنختَر التوازن والوسط، لنختَر غذاء الروح والعقل بالمعرفة المحسوبة المقدرة الغير طويلة، والتي خلالها ننمّي أفكارنا ونقرأ ونستفيد ونخطط لحياتنا، وأيضاً لنختَر الصديقات المبدعات ونذهب لهنّ ونزورهنّ ونخرج في رحلات ونمارس حياتنا الاجتماعية بكل عفوية وبساطة.. هكذا ننجح ونتفوق.

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.