3

:: الكلمة المحكيّة ::

   
 

التاريخ : 16/01/2014

الكاتب : د. إياد قحوش   عدد القراءات : 2120

 


 

 


شعر الكلمة العاميّة أو الشعر الشعبي أو شعر اللغة المحكية، كما أحبّ أن أسمّيه، هو شعر حقيقي بدأ "كزدورته" مع الزجل في سهرات الأهالي في القرى في ليالي الشتاء على ضوء القنديل، وفي ليالي الصيف على "سطيحات" البيوت تحت ضوء القمر، فكان شعورا عفويا بسيطا يبدأ ببيت عتابا ويتدرج بين القرادي والموشح ليصل إلى المعنّى والقصيد.

كان غنائيا في معظمه لأن الموسيقا تجمّل الكلمة وتفتح أبواب القلب والعقل معا للمعنى.
توارث سكان القرى نغماتِ الزّجل جيلاً بعد جيل ومنذ مئات السنين، ويذكر لنا تاريخ الكنيسة أنه مع قبول فكرة الإنجيل المرسوم في القرون الأولى من تاريخ الكنيسة عبر الإيقونات التي كانت تصور حوادث الإنجيل المهمة كالولادة في مغارة والعماد في نهر الأردن وعجائب شفاء المخلع والأبرص وتحويل الماء إلى خمر والصلاة في بستان الزيتون والعشاء السري والصَّلب والقبر الفارغ والقيامة، وخلال تلك الحقبة من التاريخ لاقت فكرة الإنجيل المُغنّى رواجاً بسبب الحاجة الماسّة لنشر تعاليم المسيح في زمن كان فيه نسخ الكتاب وتوزيعه أمراً صعباً للغاية، وأيضا بسبب سهولة حفظ وتقبّل الكلمة الشفهيّة الموضوعة في لحن شعبي جميل كالقرادي والمعنّى. وهذا ما فعله القديس مار إفرام السرياني إذ ألّف آلاف الأناشيد الدينيّة التي تروي حوادث الإنجيل وتنقلها للناس عبر الكلمة البسيطة والواضحة واللحن الشعبي المقبول من ذائقة عامة الناس.

كلمة "المعنّى" وهي اللفظة السريانية لكلمة المُغنّى أصبحت ضيفا في سهرات الصيام قبل عيد الميلاد وعيد الفصح وكذلك قبل أعياد مريم البتول. كذلك مع أناشيد القرادي التي تميزت بتقبّلها شعبيا وبشكل استثنائي حتى تماهت مع الحس الموسيقي الفطري لدى شعوب بلاد سوريا والعراق.

الجميل واللافت للانتباه أن شعر الأناشيد السريانية، وإن كان موزوناً، إلا أنه أسقط القافية في كثير من الأماكن وتلاعب بها في أماكن أخرى بحيث تتعدد القافية في القصيدة الواحدة وتتغير لصالح دقّة المعنى مع الحفاظ على الجمال الشكلي للقصيدة. كذلك تلاعب شعراء الأناشيد الكنسية بطول الأشطر ولم يكن عدد الحركات الموسيقية واحدا في القصيدة الواحدة. مع الانتباه إلى أن العروض السرياني لا يهتم بالـ(سُّكون) قدر اهتمامه بالحركات الصوتية وذلك لتسهيل الغناء وجعله في مقدور عامة الشعب. وقد كان لهذه النقاط التي تختلف مع ما نراه في الشعر العربي الفصيح التقليدي آثاراً مهمة على الشعر الزجلي الذي هو بغالبيته تطور في الشعر السرياني الغنائي.


قبل عدة مئات من السنين لم يكن الزجل شائعاً إلا في الأرياف والجبال التي لجأ إليها السريان عبر تاريخ الشرق الحافل بعدم الاستقرار. ولا عجبَ أن نرى أن أقدم القصائد الزجلية الموجودة لدينا تعود لرجال دين.

لقد تغيرت اللغة المحكية عند معظم السريان لتندمج مع اللغات المحكية في الشرق فأخذت وأعطت وتغيّرت وغيّرت. وهانحن نرى في اللغة العربية الفصحى مئات الكلمات ذات الأصول السريانية وكذلك الأمر مع اللغة المحكية بلهجاتها السريانية المختلفة والتي لاتزال تحتفظ بمئات الكلمات السريانية والتي نستعملها كل يوم في أحاديثنا العادية من مكاغاة الأطفال (انكغّى، واوا، نونو، امبو، دح...) إلى بعض الكلمات التي نستعملها في البساتين والحقول وبعض الأسماء التي نعطيها للنباتات والأزهار والأشجار والحيوانات والطيور إلى كلمات أخرى عديدة جدا نلفظها كل يوم كأسماء  الكثير من الأماكن والقرى والمدن والأشهر وأسماء بعض المقامات الموسيقية والبحور الشعرية وغيرها.

إن لهذا الشرق تاريخاً طويلاً يبدأ مع الكلمة الأولى وإليها نحنّ كلما اشتدت بنا المصائب والنكبات. وإن كان من واجبنا أن نحترم ما أعطته حضارة السريان لهذا الشرق فإنه يحق لنا جميعاً أيضاً أن نفخر بها لأنها أعطت العالم الكثير ولاتزال.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.