جماليـــا : ثقافة , آداب , فنون

From site: http://www.jamaliya.com

الذكريات المؤلمة لماذا تبقى؟


فاطمة المزروعي
10/08/2014

 

 

 

يدهشني الكمّ الهائل من الكلمات التي تكتب ويتم خلالها استدعاء ذكريات أليمة ومواقف ماضية، يدهشني هذا العدد من الناس الذين يعيشون في قوقعة الماضي ولا يريدون مغادرته، الماضي المحمّل بالأسى والألم، فتجدهم وقد تلبّس بهم الحزن ونظراتهم تاهت في كل الزوايا والأماكن. شخصياً أعرف الكثير من الصديقات اللاتي قررن عدمَ نسيانِ ماضٍ أليمٍ إثرَ وفاة عزيز أو يوم وقع فيه حادثٌ أو فشلٌ أو نحوهما. تشاهدهن اليوم وبعد مرور سنوات وهنّ متلبّسات بهذا الماضي لا يردن الفكاك منه أو يبحثن عن استراحة اسمها "النسيان" لبعض الوقت.

يذهلني هذا الكمُّ الهائل من البؤس الذي نختاره بأيدينا ونقرره ونحكم ربطه على عقولنا وحاضرنا. المشكلة الحقيقية وبالغة الأهمية أنه لا يمكن أن تنطلق في حاضرك وأن تبني مستقبلك على أسس سليمة وأنت وفق هذه الحالة المزاجية المرضية، لأنها وببساطة ستؤثر على تعاطيك مع معوقات وعقبات هذا الحاضر، وأيضاً ستحدُّ من أفكارك ومن أيّة عملية تطويرٍ ذهنيٍّ قد تتوجّه إليها. الذي يعيش الماضي سيؤثر على حاضره دون أدنى شك، لأنه سيكون زاهداً في هذا الحاضر، وبالتالي سيجد أمامه مستقبلاً قاتماً، فنظرة الساكن في الماضي أن لا شيء يستحق العناء بعد وفاة عزيز أو بعد صدمة عاطفية أو غيرها، فهو دوماً يقنع نفسه أن الدنيا لا خير فيها وأنها شرٌّ محض وهذا الشعور يتنامى ويتزايد.

مع الأسف في عالمنا العربي لا توجد جهات طبية نفسية متخصّصة يمكن أن تقدّم علاجات سلوكية ومعرفية ونفسية لأمثال هؤلاء، وإذا وجدت فهي شحيحة ودورها متواضع جداً، ولا يتواكب مع النمو السكاني وتزايد المشاكل النفسية.

أعود للحديث عن كل من قرر أن يسمح للذكريات المؤلمة بأن تسيطر على حاضره، وأقول ثقْ بأنك تضيّع وتهدُر وقتاً ثميناً من عمرك دون مبرِّر أو سبب مقنع، ثم إنك ستكتشف بعد فترة من الزمن أنك ارتكبت خطأً غير مبرَّر، ثقْ أن ذاكرتك لا يبقى فيها إلا المؤلم لأن سطوته أقوى ولأن أثره عميق يُنحت في داخل نفسك فيبقى، وما عداها من ذكريات تمضي لأنها لامست جوانح نفسك كالماء كالهواء مع نسمات الليل.  

يقول المسرحي والمؤلف الشهير أوجين أونيل، الحاصل في العام 1936 على جائزة نوبل في الأدب «إن ذاكرتنا تتمسّك بإصرار شديد بالذكريات الكريهة المنفرة، أما الأشياء الجميلة فلا بد أن نكتبها في مفكرتنا حتى لا ننساها».

لا أطلب النسيان رغم أنه نعمة.. لكنْ، رفقاً بقلوبكم.

 

 




Link: http://www.jamaliya.com/ShowPage.php?id=11245