3

:: جورجيت جباره في أحلى الحكايا - قمر ورد للحبّ... والرقص ::

   
 

التاريخ : 19/02/2013

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1972

 


جورجيت جباره في أحلى الحكايا

قمر ورد للحبّ... والرقص

 

 

 

 قبل أن يُزهر التفّاح، أطلَّ الحبُّ. لم تُلصق به خطيئة، ولم تُقفل أبواب الجنَّة في وجه اشتهاء معرفة، هي أوّل قبلة في كتاب الحياة.

أطلَّ الحبّ عيدًا منذ أيام، تبادل فيه العشاق لهفةً في قمر ورد أحمر، واشتعلت ذكريات.

 

في أحلى حكايا الحبِّ واحدة على اسم سيدةٍ كرَّستِ العمرَ لاثنين: قلبها والرقص المتمايل حضورًا وسموّ رفعة.

إنها جورجيت جباره «الوقفت» سنة 1976 في يوم عيد الحبّ تُعَاهِدُ حبيبًا في فيءِ العينين على عمر كُتِب لهما لقاءات، أتعبتها المسافات بين بيتين، ما اختُصِرا بواحدٍ إلا بعد اثنتين وثلاثين سنة، حين قالت مع حبيبها روبير عريضه الـ «نعم»... و«بالمجد والكرامة كلّلهما».

هذه السيدة المشدودة كما وتر النغم، عَلَّمت أجيالاً فرح الابتهال رقصًا فوق خشبة هي في أرقى الفنون منزلة.

... ولأنها مع حبيبها في عيدهما الدائم، أغافلهما وأقرأ بصوت عالٍ بعضًا من سيرةٍ لها نابضة:

كان الزمن يسكن زيتون القدس، أدَارَ شهر الحصاد (أيلول) ظهره للصيف ومشى، حبس الشتاء في غيمة ومشى، لا يريد فضاءً يتغيَّر قبل جمع غلال البيادر.

وقفت الشمس في منتصف النهار، عينها على بيت سُمع فيه صراخ وليد أطل، ركض الوالد ليسمع «مبروك خلقه كامله نعمه زايده... بنت الله يعيّشها».

ـ سمّوها جورجيت.

قبّل الوالد جبين الأم، دخلت الشمس إلى البيت. نُسج أوّل خيط أمل في العائلة. لفّت الأيدي الطفلة بالحبِّ. حُملت على رمش العين، وما غَفت إلا هدهدةً وسع اليدين، رقص حلم لزمن أبيض.

في ليلة تالية، دُقَّ باب البيت بقوّة، نهض النوم وما عاد إلى  الفراش. حَلّفت الأم زوجها بترك العمل في الإذاعة الكانا يعملان فيها تنظيمًا بتكليف من الحكومة البريطانيّة. أصرّت على السفر، لاح شبح خوف خلف الباب... وسافرا إلى أرض الكنانة قبل أن تقع الكارثة، ويقع جدران مكتبهما في الإذاعة.

في القاهرة كاغت الطفلة، ضحكت، بكت، تعلّمت الحكي والركض، كان جسمها الطري يغزل نبض إيقاع تسلّل إلى المسام مثل نسمة، نافخًا في عروقها حبّ التعبير بغير لغة الشفتين.

يوم صار عمرها سنة بعد عشر زنبقات، لمحت خشبة المسرح تسترق النظر إليها. كلّ رشاقة العمر ولعت فيها، ونبّهت الدهشة فحرستها.

في «الأربعتعش»، تَفتَّح الزهر، لوّح للزهو، أخذت الإجازة الثانويَّة قبل سنتين من الوقت المحدّد لدخولها الجامعة، ما اضطرها لمتابعة الدراسة بالمراسلة مع جامعة أوكسفورد، ورافق النجاح خطواتها.

قبل اكتمال السنوات الأربع للدراسة الجامعية نالت إجازة في الأدب الانكليزي... وبامتياز.

سنة 1956 رجعت «الصبيّة» جورجيت جباره  مع عيلتها إلى بيروت لتشتغل في منظمة الأمم المتحدة... وشَغَلَها فنُّ الرقص على تنوّعه. وهبته حماستها وشبابها، ولحقت به في مغامرة لاكتشافه والتمكّن منه. سافرت إلى: القاهرة، يوغوسلافيا، نيويورك، واشنطن... نالت منحًا دراسيّة، لبست ثياب الفولكلور في أكثر من بلد، كما لبست ثياب القصور العالية أبوابها، ودخلت برفقة النغم والحركة إلى كلِّ المسارح العالمية مشاركة في مهرجاناتها.

عشقها للرقص والدراسة، ساهم في رسم ملامح المستقبل.

أسّست في بيروت المدرسة اللبنانيّة للباليه (1964)، مع فرعٍ أولٍ لها في طرابلس (حيث تَوَاجُد الحبيب لاحقًا).

كَبِرت المساحة للتحرك والتعليم من صيدا إلى حمانا فالزوق وعين سعاده وأعطت ما امتلكت من ثقافة وموهبة ومعرفة إلى جيل مرّ في معهد الفنون الجميلة التابع للجامعة اللبنانية (18 سنة). ابتكرت أسلوبًا جديدًا خاصًا بها لتدريب طلاب التمثيل المسرحي.

عَرفت جورجيت جباره  كيف تروح إلى الأبعد. المسرح وسع بحر، الموجة حدّ الموجة، كما الخطوة حدّ الخطوة.

الحركة مرتبطة بـ «مرجوحة» الجسد، بين المخفي والظاهر في قناديل مضاءة على مفارق نمرّ بها، ومفارق ما عرفناها بعد.

الحركة طريق، والرغبة بوابة لا تُفتح لغير القادرين على تهجئة المشهد لحظة يقتضي ذلك، أو قراءته غيبًا في لحظة مغايرة.

***

تجربة جورجيت جباره  عمّقت مفهومنا للرقص مع ما يحمل من دلالات ورموز وشارات، هي أبعد من الدراسة الأكاديميّة.

الرقص حسب الأساطير، ابتكرته الآلهة ووضعت فيه من صفاتها، وقدّمته للناس. ببساطته الكاملة مارسته الديانات القديمة، لتهرب البشاعة من الأرض، ومرّات قدّمته صلاة تطلع من الداخل تعبيرًا خارقًا.

سكن الرقص أجساد الناس، نقلوه من الاحتفاليّة الخاصة إلى الاحتفاليّة العامّة: طلبًا للاستسقاء والمطر، وفرحًا باستقبال الربيع، ولأعياد المواسم والخير ومنافع أزمنتهم.

طلع الرقص من الهياكل، من الملاحم والأساطير، وظلَّ محافظًا على سحره الخاص. نُقل من زمن إلى زمن، من شعب إلى شعب مع ما لحق به من موروثات مهّدت لقواعد ما ألغت الارتجال، لكنّها نظّمته ليصير قابلاً للتعلّم مع الفنون كافة.

كان الايقاع أوّل حرف، سبق اللحن، رافق الشعر، ومرّات أخذ الشعر مطرحه، لكنه بقي أيقونة تتحرَّك: عجائبية في طقوسها، مدهشة في خطوطها وروحيّة في مناخها.

جَمَعَ الرقص ثقافات متنوّعة، وشكل استحضارًا للماضي مع التطلع دائمًا صوب المستقبل. مهّد لخلق المسرح الايمائي في حركة تعبّر عن المشاعر النبيلة، والأحاسيس الإنسانية العميقة: الحبّ،   الحنان، الخوف، الغضب، المفاجأة، وترجمة الانفعالات والأفكار.

***

خلال أكثر من نصف قرن، حمل الرقص في داخله، مع جورجيت جباره ، خيطًا ذهبيًّا، وأما الزخارف التي طُرِّز بها فظلال شعبيَّة انشغلت على نول المعرفة.

منحت جورجيت جباره  الرقص الاحترام الكلّي، واستطاعت بمهارتها الإفادة من قدرات الجسد، وضعتها في أعمال شكَّلت جسرًا بين حضارتين: حضارة الشرق وحضارة الغرب.

ما قَبِلت الاستسهال، ولا خافت المجهول. قاومت، رفضت، «خربطت» صورًا كثيرة، وعادت فجمعتها حسب ذوقها بشفافيَّة ورهافة، كما يليق بها.

مشوارها مع الرقص، والأصحّ مشوارها مع الحياة، لا يُحسب بمحطات، يُحسب فقط بالحبّ الذي تقاسمته مع حبيب جاء يوم العيد، وبشفاعة هذا الحبّ المتجدد لحظة بلحظة في واحدة من أحلى الحكايا.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.