3

:: رجع السلطان مع حريمه فانتعشت الذاكرة والألقاب ::

   
 

التاريخ : 02/02/2013

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1292

 


 

 

 

بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى (11 تشرين الثاني 1918)، واندحار الجيش «العثملّي»، وخروجه مطأطأ الرأس من أرضنا التي عاث فيها ظلمًا وقهرًا... وفسادًا ما زال إلى اليوم معشِّشًا في الدوائر الرسميّة يطلب «برطيلاً» ليفكّ عنّا... ولا يفك.

جوزف أبي ضاهر

بعد «الكسرةِ» العثمانيّة، كَسَرَ أهل لبنان ما بقي عندهم من فَخَّار، لاعتقاد قديم بأن كَسْرَ الفخَّار وراء راحل غير عزيز، يمنع عودته (روحه بلا رجعه)، ولكن يظهر أنه رجع أخيرًا، وفتح اللبنانيون له صدر بيوتهم ليسهروا قبالته مستطلعين أخباره وأخبار «حريم» السلطان الذي تختار له «السلطانة» والدته واحدة من «الحرملك»، فلا يضجر في ليلة ليلاء نسي قمرها أن يطلع في المضجع الزوجي، حيث تتبدّل النساء مع تبديل شراشف الأسرّة... وتُسَجَّل لـ«السلطان الأعظم» فتوحات وانتصارات أين منها فتوحات البلدان التي احتلّها ليثبت فيها حكمًا يدين له بكلّيته.

عودة السلطان وحريمه وأخبار الدسائس بين «المحظيّات» لبست نكهة شاميّة الصوت، نكاية بالعربيّة الفصحى التي ظنّها الناس (في فترة سابقة) لهجة مكسيكيّة عممتها وسائل الاعلام المرئية مع مزيد من الخيانات الزوجيّة وخداع الحسناوات الكاشفات عن «مكنونات» «ترفع» مستوى امتاع النظر... فقط!

مع سهرات قصر يلدز وحدائقه والحرملك نسترجع تاريخ ألقاب أغدقتها السلطنة (أيام زمان) على الاتباع وبعض المسخَّرين لخدمتها، مع ما فيها من تفخيم وتبجيل يسقطان حين ينكشف الستر، ويصبحان مثلاً شائعًا بين الناس: «خمنّا الباشا باشا طلع الباشا زلمه».

برغم ذلك ظلّ الباشا والأفندي والآغا والشيخ وصاحب العطوفة، والدولة والفخامة والمعالي، والبك، والحضرة أو دولتو، سعادتو، عزّتلو... من مستلزمات الوجاهية ولو في غير موقعها.

... ولأن الذاكرة المحفوظة نصوصًا في كتب ووثائق لا تخون من يَمسَحُ غبار الأزمنة عنها، نسترجعها شاهدة على  ضحالة الألقاب وإسفافها.

في أوراق تاريخيّة للسفير أكرم زعيتر «أنه في مطلع سنة 1909 أقدم شخص على اغتيال مفتي صيدا الحاج عثمان الزين، وحُكم على القاتل بالإعدام شنقًا».

ولأن الأصول يومها تقضي بأن يصدر السلطان فرمانًا يصدّق فيه الحكم ويأذن بتنفيذه، وجّه السلطان الفرمان الأصولي إلى والي بيروت أدهم بك، مخاطبًا إياه: «بافتخار الأعالي والأعاظم المستجمع جميع المعالي والمفاخر، المختص بمزيد عناية الملك الدائم، من مميزي رجال دولتي العليّة، الحاصل والحائز الوسام المجيدي ذي الشأن من الطبقة الأولى، والي بيروت أدهم بك دام عزّه».

لفت هذا التبجيل في الفرمان الشاهاني الصحافي عبد الغني العريسي (أحد صاحبي «المفيد»، وأحد الذين  علّقتهم السلطنة على أعواد المشانق) فتناوله بمقال تصدّر «المفيد» بتاريخ 9 حزيران 1909 تحت عنوان: «عهد التمجيد... التعاظم» حمل فيه على هذا الأسلوب.

مما جاء في مقاله:

«تصوّر حال أفراد الأمة يقرأون أن سلطانها يُخاطب عاملاً من عمّاله بهذه الألفاظ الضخمة التي لا تنزل على نبيّ من الأنبياء...» وحوّل نص الألقاب الموجهة في الفرمان إلى نائب الشرع في بيروت القاضي خلوصي أفندي فلقّبه بـ «أقضى قضاة المسلمين، وولي ولاة الموحّدين، معدن الفضل واليقين، رافع أعلام الشريعة والدين، وارث علوم الأبناء والمرسلين، المختص بمزيد عناية الملك المُعين مولانا خلوصي أفندي نائب بيروت زيد فضله»... وزاد في تهكمه فهاج الوالي واتهم الكاتب بإهانة السلطان.

 

من السلطان إلى مارون بك

على رغم هذا الاستهزاء في استخدام الألقاب وما رافقها، كان هناك من يسعى إليها، ويدفع الأموال والأرزاق... وما نعفّ عن ذكره، ليحصل على لقبٍ يرفع من شأنه في المجتمع.

أما الكبير مارون عبّود فقرّر الحصول على لقب من دون دفع أي مبلغ، أو تقديم أي تنازل، فانتظر مناسبة أرسل في خلالها تهنئة إلى «جلالة السلطان الأفخم» وختمها بتوقيع: «مارون بك عبّود»، ليأتيه بعد فترة الردّ على التهنئة من السلطان تتصدّر مطلعه عبارة: «رفعتلو مارون بك عبّود»... واكتفى «البك» الجديد بالتباهي أمام من يبهره لقب «البكواتيّة»، لينحني له احترامًا ولو كاذبًا.

بعد رحيل الجيوش العثمانيّة، وقبل عودة السلطان إلينا مظفرًا بالحريم وذلّ النساء، جاءت فرنسا إلى لبنان (1920 ـ 1943) منتدبة حسب تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو التي تم تأييدها لاحقًا بقررات من عصبة الأمم.

لم يؤثر الانتداب إيجابًا أو سلبًا على الألقاب. تعامل معها أمرًا واقعًا، مضيفًا إليها بعض الامتيازات.

سنة 1926 أختير شارل دبّاس رئيسًا للبلاد فأسّس لدولة حسب الامكانات المتوفّرة. وأصدر قوانين تنظيمية، بعضها ما زال ساريًا إلى اليوم، كما أصدر قرارًا بالغاء الألقاب والرتب بدءًا من: صاحب الفخامة، والعطوفة والدولة والمعالي والسعادة... مكتفيًا بعبارة «حضرة المحترم» في المعاملات الرسميّة، على أن قراره عاش معه حتّى نهاية مدّة ولايته... وعادت الألقاب إلى احتلال الموقع المؤثر في الناس.

بعد مرور 71 سنة على موقف الدبّاس من الألقاب، فاجأ الرئيس الياس الهراوي مجلس الوزراء (26 تشرين الأول 1997) بموضوع إلغاء الألقاب مقترحًا أن يصدر عن مجلس الوزراء قرار بإلغاء الألقاب واعتماد كلمة «السيد» بالتخاطب مع الرسميين... ولم يمرّ الاقتراح واستبعد كما استبعد البحث في إقرار الزواج المدني الاختياري للبدء في علمنة الدولة والاتجاه بها نحو التطور الحاصل في معظم دول العالم.

... ورجع السلطان مع حريمه ليقول لنا بلكنة شاميّة: «مو عارفين إنو التطوّر ممنوع».

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.