3

:: ألفراغ (2) ::

   
 

التاريخ : 08/01/2013

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 971

 


 

 

       ... والفراغ، أيضًا، بمَعنًى ما، هو خُلُوُّ النّفسِ ممّا يجبُ أن يكون فيها لتكون ما هي عليه: غِنًى بالقِيَم، خُصوبةً بالأحلام، تَنَوُّعًا بالرّؤى. فيُقال: نفْسٌ فارغة. وهذا مُعيب. نَقْصٌ مُعيب. والإنسانُ لتَخَطّي العيب. للكمال.

       غِنى القِيَم، يَجعلُك عاليًا لا مُتَعاليًا، راقيًا لا مُتَراقيًا. فالقِيَمُ هي الّتي تُصَنِّفُك ذلك الإنسانَ الـ على مِثالِه يَحلُم العاقلون أن يكونوا. ألقِيَمُ؟ تُقيمُكَ من مائكَ الآسِن، من ركودِك، بَلادةِ خيالِك. ترفعُك من قَوقعةِ كِبريائكَ، أنانيّةِ ذاتيّتِك، بَلاهةِ وُجودِك. هي تُعَرِّفُك التَّواضُعَ المَلآنَ المُملئَكَ بساطتَك الغنيّةَ السّاميةَ. لا أسمى من "مَلآن" مُتَواضِع! يُحِبُّه الآخَرون، أفياءه يستظِلّون، إليه يَتَقاطرون، به... قد يَتَمَثَّلون!

       ماؤكَ الآسِنُ؟ يُهمِلُكَ، مكانكَ تَدورُ، على ذاتِك، تَدورُ، لا صَفاءَ، لا آفاق، لا خَلْقَ، لا إلاّ الظّلام. ما يجعلُكَ نَتِنًا مُنتِنًا، يتخلّى عنكَ الآخَرون. وحدك، مُهمَلاً، مَنسيًّا تموت. ألرّكودُ موتٌ مُسَبَّق. ألموتُ المُسَبَّقُ، يجعلُ حياتَكَ فترةَ انتظارٍ لموتكَ الجسديّ. ألمنتظِرُ موتَه، هل يكونُ يَحيا؟ ما نفعُ حياتِه؟ أيكونُ لها "طَعْمٌ" و"لَونٌ" و"غاية" حقيقيّة؟

 خُصوبةُ الأحلام، ثَراءُ الكائنِ باالعزم، بالإرادة، بإدراك دَور. أنتَ تَحلُمُ؟ فأنتَ تعزمُ على تحقيق ما به تحلُم؛ ألعزمُ حافِزٌ على العمل. تعرف، أنتَ، أنّ العزمَ شَكلٌ من أشكال الإرادة. وتعرفُ أنّ الإرادةَ واجبةُ الوجود، إلى العزمِ، والمعرفة، وصولاً إلى تَحقيق الأحلام ــ الطّموح.     خصبةٌ أحلامُكَ؟ فأنتَ غنيُّ النّفس، إذًا واسِعُ الرّؤى، عارفُ المَآل. واسِعُ الرّؤى، بانيها، مُلَوِّنُها، مُنَوِّعُها. بناؤه لها، مَكينٌ، ثابت. تَلوينُها تركيزٌ لها، أصيل. تَنويعُها؟ إشارةُ غِناكَ بِها، نُضجِك، فَيضِك. غِناكَ بها، إغناءٌ لنفسِك ولِنفوسِ السِّوى؛ فما ينفعُ غِناك وحده، في صَحراءَ فقيرةٍ مُفْقِرة! عارفُ المَآلِ واثِقُ الرِّؤيةِ، مَتينُ الحجّةِ، صَلْبٌ في الحقيقة. واثِقُ الرّؤيةِ، واضِحُها، عامِلٌ على تَحْقيقها، صادقُ الإيمانِ بها، مُثابِرٌ في سبيلِها. يُعانِدُ من أجْلِ ذلك. مَتينُ الحُجّةِ مُقْتَنِعٌ مُقْنِع. ألمُقتنِعُ بصَوابيّةِ رأيٍ ورؤيا، لا يتراجع، لا يُجانِبُ، لا يُحابي، لا يتعامى. يُقنِعُ من دون جَهدٍ. "يمشي" معه الآخَرون.

والفَراغُ يَجعلُ النّفْسَ في شَقاءٍ مُقيم. وهذه عُقوبةٌ قُصوى. ليس أبعدَ تَعاسةً، أو أعمقَ، من نفسٍ في شقاءٍ تُقيم. ألشَّقاءُ ظُلمةٌ كثيفةُ الكوابيس، ألظُّلمةُ تَقمَعُ، تُجَرِّحُ، تُقعِد. ألكثافةُ لَزِجةٌ تَسجنُ النّفسَ في بئرٍ مهترئةِ القَعْرِ. إذًا، لا يثبتُ شيء. والكَوابيسُ تُفْضي إلى كوابيسَ، إلى كوابيسَ لا تُخيفُ فحسْبُ، بل تُقعِدُ وتَشلُّ. إذًا، لا أحلامَ، لا طموحَ، لا إرادة، لا إلاّ القَمْعُ الذّاتيُّ الخانِق.

والفارغُ  يُقيمُ نفسَه في "شخصٍ" من دون فكرٍ، من دون عاطفةٍ، من دون رؤىً أو أحلام. فكيف يحيا؟

قلتُ إنّ الفارغَ يُقيمُ نفسَه في "شَخصٍ"، ولم أقل في "إنسان". والفارقُ أكثرُ بساطةً من أن يُشرَحَ، أو يوَضَّح. لا يلزمنا، هنا، أيُّ تأويلٍ. يستطيعُ الشّخصُ أن يستمرَّ عائشًا في الحياةِ، ولو فارغًا. ويستطيعُ الإنسانُ أن يستمرَّ حيًّا في الحياة، إلّم يكنْ يُعاني فراغًا ما. يستطيع الشّخصُ أن يبقى مُنطَويًا، مُتَقَوقِعًا، فهو لا يتأمّلُ، لا يختبِرُ، لا يحلُمُ بتغييرٍ ما. ويستطيع الإنسانُ أن يتطوّرَ، يتغيَّرَ، يتجاوزَ ذاتَه نحو الأفضل. يستطيعُ الشّخصُ أن يكتفي، من الحياةِ، وفيها، بالوجود. والوجودُ جَماد. لا تُبعَثُ فيه حياة. بل إنّ الوجودَ عكسُ الحياة. ويستطيعُ الإنسانُ أن يستمِرَّ، دائمًا، حيًّا، مُحْيِيًا، مُخْصِبًا، مُلَوِّنًا...

ألوجودُ لا تُبعَثُ فيه حياة. فهل؟

لا! فالإنسانُ "المَلآنُ"، حَقًّا، يبعثُ حياةً في الجماد: صَخرًا أو معدِنًا... ينفحُ، من روحه، روحًا. من "غِناه" من "خِصبِه"، من "رغبته"، من "مِلْئه"... حياةً تستمِرُّ حياةً حيّةً مُحيِيَةً... لا إلى آفاق، مهما بَعُدَت. ألإنسانُ ممتلئٌ مُثُلاً يُحاوِلُ إليها وُصولا. يعرفُ أنّ الأمرَ يَستحيلُ. لكنّه يستمِرُّ يُحاولُ. ففي مُحاولاتِه بعضُ حياتِه. بعضُ حياتِه الأهَمُّ. إنّ المُحاوَلاتِ دليلُ طُموحٍ، أحلامٍ، عَزْمٍ، إرادةٍ، رَغبةٍ... ولا تتوقّفُ المُحاوَلاتُ. تأتي كلُّ محاولةٍ تُقرِّبُ صاحبَها من مِثالِه، أكثر من سابقتِها. "ينتقلُ" ولا يصل. قيمةُ الحياةِ في هذه المحاولات. ألحياةُ هي هذي المحاولات.                                                 حاوِلْ تَحيَ، تَقَوقَعْ تَمُتْ!

كنْ "مليئًا" لتحيا. ألفَراغ؟ اسوِدادٌ يُسَوِّدُ، حتّى مُجَرَّد "العيش". وأنتَ لتختارَ! في كلّ اختيارٍ تضحيةٌ، صَحيح. لكنّ الاختيارَ، نفسَه، دليلُ امتلاءٍ بنبْضِ الحياةِ: رائيةً وحُرّةً ومسؤولة...

زوق مكايل 20/10/2012

*

ألفراغ (1)

إيلي مارون خليل

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.