3

:: مرسي والإخوان - كلهم تكلموا باسم الدين! ::

   
 

التاريخ : 11/12/2012

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1391

 


 

مثلي مثل الكثيرين استمعت إلى كلمة د. مرسي التي ألقاها الخميس 6 ديسمبر وجاءت بعد يوم من اشتباكات دامية أسفرت عن سقوط سبعة قتلى وإصابة نحو ثمانمئة بسبب اعتداء الإخوان على المتظاهرين. ولأن الأمل هو آخر مايموت فقد ظل لدي أمل أن يقول مرسي شيئا ما، وربما لا يكون الأمل بل التشبث بانتصار المنطق الذي يلزم الرئيس بأن يقول شيئا للخروج من الأزمة الناجمة عن إعلانه الدستوري. لكن مرسي – مع تمسكه بالإعلان والاستفتاء – شن هجوما على المعارضين لنظامه وألقى باللوم على المتظاهرين الذين سحلوا أمام قصر الرئاسة واتهمهم بالعمالة وتوعدهم بأن أحدا لن يفلت من العقاب، وهي ذات النبرة المتوعدة التي سمعناها من خطاب نائبه المستشار مكي حين قال: "وإلا فالبقاء للأقوى". ثم عاد مرسي وألغى الإعلان الدستوري مع استبقاء آثاره، أي مع استبقاء الإعلان، وذلك في استخفاف شديد بعقول المصريين. والواضح أن الإخوان قد استقروا على المضى في العنف حتى النهاية وأيا كان الثمن لفرض تصورهم عن الدولة والثقافة والمجتمع باعتبار أنهم يتحدثون باسم الدين والإسلام. وبدلا من أن يطالب مرسي بالتحقيق فيما جرى أمام قصره الرئاسي، أوالتحقيق مع الإخوان الذين يحاصرون مقر المحكمة الدستورية، فإنه يبرئ المجرمين ويطالب بعقاب الضحايا. وقد امتلأت صفحات الانترنت والجرائد بمشاهد فظيعة توثق ما فعله الإخوان يوم الأربعاء بالمتظاهرين وضربهم بوحشية وتعذيبهم، وبلغ الأمر إقامة ساحة استجواب عند البوابة المواجهة لمسجد عمر بن عبد العزيز تحولت لمكان لتعذيب للنساء قبل الرجال، وممارسة كل أنواع البربرية في حق البشر.

والحق أن هذا المشهد الوحشي الأخير قد أسقط ليس فقط شرعية الرئيس مرسي، بل أسقط –وهو الأهم –شرعية التيار الإخواني كتيار فكري وسياسي داخل المجتمع ومشروعه الذي خلط الدين بالسياسة. لقد قدم الإخوان أنفسهم إلى المجتمع على أساس أنهم هم "الدين والإسلام" وكل معارضة لسلوكهم الفاشي معارضة للإسلام. لكن كم من الجرائم ارتكبت باسم الدين؟ وكم من المتحدثين المفوهين لجأوا في خطابهم إلى الدين - وهو منهم برئ - وارتكبوا باسمه كل الفظائع؟. ليس الإخوان أول من تحدث باسم الدين ولا آخر من ارتكب الجرائم باسم الدين.

فحينما شن التتار حملتهم على منطقتنا عام 1260 أرسل هولاكو من الشام رسالة إلى المملوك سيف الدين قطز حاكم مصر بدأها بقوله "باسمك اللهم باسط الأرض ورافع السماء.. إنا نحن جند الله في أرضه" ! ثم انتقل هولاكو من خطابه الديني إلى التهديد قائلاً: "فما لكم من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا مناص، فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق". وفي الشام تكشف ذلك الخطاب الديني عن بربرية التتار، إذ قبضوا على الكامل محمد الأيوبي وقطعوا جلده وأعطوه له ليأكله إلى أن مات فقطعوا رأسه وحملوه على أسنة رماحهم انتقاماً منه لصموده وبطولته في التصدي للغزو.

وعندما هبط نابليون بونابرت إلى مصر بدأ منشوره الأول الموجه إلى المصريين بالكلمات التالية" بسم الله الرحمن الرحيم. لا إله إلا الله. لا ولد له ولا شريك له في ملكه"! ومضى يقول: "وإنني أكثر من المماليك أعبد الله سبحانه وتعالى وأحترم نبيه والقرآن الكريم" وصولاً إلى: "إن الفرنساوية أيضا هم مسلمون مخلصون" ! ولم يشهد التاريخ احتيالاً دنيئاً مثل ذلك يغطي باسم الدين عملية احتلال يستهدف تحويل مصر إلى مستعمرة. وقد تضمن خطاب الرئيس الأمريكي أوباما في جامعة القاهرة في 4 يونيو 2009 استشهاداً بأكثر من آية قرآنية كريمة مثل "اتقوا الله وقولوا قولا سديداً"، و "من قتل نفساً بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعا" وغير ذلك، بينما واصل الرئيس أوباما عملياته العسكرية في أفغانستان والعراق وغيرها.

لقد نكّل الإخوان بالناس عند قصر الاتحادية وكانوا يصيحون عند الإمساك بمتظاهر "أخذنا أسيراً" ! متخيلين بذلك أنهم جند الله في الأرض! وأنهم يطهرون الأرض من الفساد! لكن الشعب المصري يعرف الإسلام أكثر بكثير مما يعرفه كل أولئك، وهو يعلم تمام العلم أن الإسلام دين محبة وتسامح ولا يجوز أن ترتكب كل الجرائم الوحشية تحت شعاره. ولا أظن أن الضمير المصري سينسى تلك المشاهد البربرية التي تبدو وكأنما انتزعت من العصور الوسطى ولا تلك الوجوه التي ضربت حتى تاهت ملامحها. 

لقد أخفق الرئيس مرسي بخطابه مرة أخرى حين تكلم طويلاً ولم يقل شيئاً غير اتهامه للضحايا بأنهم المجرمون. لا يبقى من خطاب الرئيس مرسي في السادس من ديسمبر سوى المزيد من تعميق الأزمة، ولا يبقى من سحبه إعلانه الدستوري مع استبقاء آثاره سوى مزيد الزيت يُصبّ على النار، ويترك شعوراً غريباً في النفس بأن ثمة انفصالاً تاماً عن حقائق الواقع السياسي. لقد انتظر الكثيرون خطاب الرئيس لكنه تمخض عن لا شيء. كما حدث في مسرحية "الخطيب" للكاتب المسرحي الفرنسي يوجين يونسكو، وفيها ينيب الزوج خطيباً لتوصيل رسالته إلى الزوجة، لكن حين يصل الخطيب بعد طول انتظار يتضح أنه أطرش وأخرس. المؤسف أن مثل ذلك الخطيب حين ينتقل من المسرح إلى الواقع يصبح الثمن باهظاً.

 

***

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.