3

:: أشتاق إلى وطن - قناديل 82 ::

   
 

التاريخ : 02/11/2012

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1056

 


 

 

أشتاق إلى وطنٍ طالت غربته، وأنا في همّ البعاد أعيش.

طالت هجرته، وأنا في شوق اللقاء أبحث عن «قد» يأتي فألتقيه، وقبل أن أصافحه أبحث في «ترابه» عن وجهي، عن أصابعي المشغولة بالحروف والألوان ورائحة الحبر وأصوات الحياة الملبّدة بالغيم الأسود، يصل من جهات أربع، والرياح تلاحقه مقطوعة الأنفاس، فلا تبدّل في حال عبثي الجنون.

***

أشتاق إلى وطنٍ... وكنت صغيرًا أراه على شاطئ البحر.

موجه عالٍ يلطم الصخر، فيردّه الصخر خائبًا.

أرتاح... خيّ.

لن يصل الموج إلى حيث أقف، فيدفعني للهرب إلى حيث لا أريد.

لن يصل الموج إلى زهرات بيض على أطراف درب يمرّ بها عاشق، فيقطف الأحلى للأحلى في العمر والشوق.

لن يصل الموج إلى كتابي المدرسيّ، ولا إلى أوراقي، الـ صَنعتُ منها، مرّة، طائرة ربطتها بخيطٍ فحملتني إلى فوق، إلى حدّ طير كان يظنّ أن الفضاء له وحده.

***

أشتاق إلى وطنٍ حَسبتُ أنه سيظلُ معي، لا إسمًا في هويّة، بل حياة نابضة بخير وبركة وهناءة عيش.

أنظر فيه إلى «الساحات» فتأخذني الحركة إلى الوافر من الانجازات في الفكر والعلم والفن والدهشة، وراحة البال.

وإذا عدت إلى البيت، أعود بلا همّ. يفلش الأمان زوّادته على مدّ أيدينا: الأرغفة من قمحنا والزيت من حقلنا، والخمرة من كرمنا، واللحن من قَصَبِنا النهري ويحفظ الشعر غيبًا، ونَفَس العازف لا يبخل على النفوس بنعمة النغم.

وإذا الليل حلّ فمع الأحلام الأمنيات.

***

أشتاق إلى وطنٍ أدين فيه للديّان خالق السماوات والأرض. لا سلطة في الأرض تفوق سلطته، أو تنوب عنه في إبرام أحكام، وتحديد مسموحات، وفرض محرّمات،  وسجن وقتل وتكفير مَن يخالف أو يعارض أو يبدي رأيًا مغايرًا، أو يقف محايدًا لاتّباعه مذهبًا «غير معترفٍ به» في شرعَةِ من جعل الله منصّة لكلامه في الدين والأخلاق والسياسة والوطنيّة... وفي إنسان فوق هذه الأرض، أيًّا تكن تطلعاته وثقافته.

***

أشتاق إلى وطنٍ حرٍّ لا ينحاز إلى شرق ولا إلى غرب.

هو بين الاثنين جسر ثقافة ومعرفة وشموليّة إنسانيّة، تتلاقى في الأسمى من الكلام والمواقف والتعامل والسياسة في المستوى الأرقى، فلا فوقيّة ولا دونيّة، ولا هيمنة، ولا ارتهان.. تتلاقى في تبادل إنساني يروّض المادي، ولا يبخسه حضور وفعله.

***

أشتاق إلى وطنٍ يسود فيه حكمٌ عادلٌ، من حاكم واسع الآفاق، حَكيمٍ حليمٍ يحتكمُ إلى عقلٍ وإلى قلبٍ، وما خارجهما يبقيه خارجًا، فالداخل للداخل، وللوطن هويّة لا تكتب فيها ارتهانات ولا علامات فارقة تنتقص من المميّز في علاماته الدالة على استقلاليته وريادته وانفتاحه، وصلابته في مواجهة الظلام والظلاّمين، وفي صدّ الغادرين والمعتدين على حق من حقوقه.

***

أشتاق إلى وطنٍ يعرف تاريخه، ويستشرف ضوءه الآتي.

لا مفاجآت تتحكّم في الأوطان أو تُفرض عليها، إذا كان الوعي الوطنيّ والشعور بالمسؤوليّة هما ميزان عدالة، فلا تصدر الأحكام خلافًا لقانون، لا يُحكم بغيره مَن يخرج عن السيطرة.

***

أشتاق إلى وطنٍ بنيتُ فيه علّيةً تُشرف على المدى، وأضأت سراجًا.

أنظر إلى آتٍ على جَناحي الخير، فإذا بالمدى يغدر بي وبوطني فيأخذه إلى حيث: لا طمأنينة، لا حرّية، ولا صفاء عيش كانت خميرته حبّات بركة معجونة بنكهة القلوب والأيدي. وكان الحب يبارك فتعمر الحياة بالبيوت وناسها، والأرض تتّسع ولو في ضيق التحديد.

كان الوطن ناسًا، فحلّت اللعنة وعين الحسد.

صفّرت مراكب الحقد. نده السفر الغربة إلى الهجرة. تعرّت الأرض...

غادر الوطن من دون ثياب.

يا ألله، أعد للأرض ثيابها وناسها...

اشتقتُ إلى وطن.

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.