3

:: باسمة بطولي: ألقصيدة المُستفِزّة ::

   
 

التاريخ : 14/08/2012

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1803

 


 

 

أصدرتِ الشّاعرة والرّسّامةُ "باسمة بَطولي" ديوانَها الجديد (حين ترتدي النّارُ عُريَها)، هو الرّابع لها، بعد: (مع الحبّ حتّى الموت، مكلَّلة بالشّوق، عربات الصّدى)، فكتب الزّميل إيلي مارون خليل هذه الكلمة/التّأمُّل.

 

 

 

 

لعلّ الإنسانَ، في بعضِ ماهيّتِه الأصيلةِ، هو كائنُ الإحساسِ، فالتَّأَمُّلِ، فالإيمانِ، فالصّلاةِ، فالرّجاء.

يرى النّورَ، فيشعر بصدمةِ الانسِلاخِ. يدخل المدرسةَ، فيشعر بصدمةِ الانسِلاخِ الثّانية. يُراهِقُ، فيشعر بصدمةِ الانسِلاخِ الثّالثة. وكلّما تقدّمت به السَّنَوات، توالت صدَماتُ الانسِلاخ، حتّى الانسِلاخِ الأخير. وهو يستطيعُ أن يعبِّرَ، فنّيًّا، عن "انسِلاخاتِه" هذه، باستثناء الأوّل والأخير.

ويستغرقُ في التَّأَمُّلِ الّذي هو نتيجةُ انسِلاخٍ ما. ألتَّأَمُّلُ استِبْطانٌ واعٍ للذّاتِ، أو هو تَوَجْدُنٌ أَخّاذٌ، واعٍ ذاهِلٌ، وفي الآنِ نفسِه. هذانِ التَّأَمُّلُ والتَّوَجْدُنُ، انعِكاسٌ للذّات على الآخر، وعلى الطّبيعة والكَون؛ كما أنّ الآخرَ والطّبيعةَ والكَونَ، انعِكاسٌ على الذّات.

يؤمِنُ الكائنُ الإنسانيُّ بقوّةٍ، بقدرةٍ، بمُحَرِّكٍ، بذاتٍ كاملة، بإله، فيخشع يُصَلّي. ألصّلاةُ اعترافٌ بهَشاشة، بضَعفٍ، باستسلام. وتاليًا، هي تعبيرٌ عن حالتَين: نفسيّةٍ وِجدانيّة، أو فِكريّةٍ تجريديّة. تعبيرٌ بسيطٌ جميل، مؤثِّرٌ موحٍ، عميقٌ كثيفٌ، عن احتياجاتٍ خَلاصيّة.

فيرجو! ماذا يرجو هذا الكائنُ؟ ألخَلاص.

ومِمَّ يرجو الخلاص؟ وكيف يكونُ الخلاصُ، هذا؟

يرجو الخلاصَ مِمّا يُعيقُه عن، مِمّا يَمنعُه من... هذا المُعيقُ، المانِعُ، المؤخِّرُ، تُرابيًّا يكون. ويَكونُ مادّيًّا، آنَويًّا، هَشًّا. ويعرفُ، هو، أنّه لِبَقاء. فَيَهُبُّ الصِّراعُ، فيه، مأسَويًّا لذيذًا في آن. فيتلمّسُ طريقَه، بالأحرى: طريقَ خلاصِه. ما سِوى بالشِّعْرِ يكونُ. فيفرحُ، بل يَغتبِطُ، ويسعَد. ويَحيا دائمَ الانتشاء. حقًّا إنّ الشّاعرَ هو الكائنُ الذّائبُ نَشْوةً، المتّحِدُ بالنّشْوة، المُوَزِّعُ النَّشْوة. فما شِعْرُه، إلّا نشْوةٌ يوزِّعُها على المُتَلَقّينَ الذّوّاقة. فالشِّعرُ هو الصّلاةُ الأخّاذةُ الآخذةُ بنا إلى الأكثر بَهاءً، الأكثرِ تأثيرًا، الأكثرِ إيحاءً، الأكثرِ ذَوَبانًا بالحُبّ، باللّه!

وباسمة إحدى أكثر شاعراتِنا تَمَكُّنًا من الكتابة الشِّعريّة الأصيلة. بل لعلّها الأقدر، فعليًّا، ألأصالةُ الحقيقيّةُ دائمةُ الجِدّة. دائمةُ الغِنى. دائمةُ الخصب. هذا، كونها تعتبر، كما سعيد عقل، وبعض الآخذين برؤياه، أنّ "الشِّعر فنُّ الصّعب". لكنّ "هذا الصّعبَ"، عندها ومعها، ليس للتّعمية. إنّه من باب "استفزاز" القارئ المُتَلَقّي ليكشفَ عن قدرة "الكَشْفِ" عنده؛ من باب أنّ القارئ/المتلقّي شاعرٌ، هو الآخر، أو شريكٌ للشّاعر. حقًّا إنّ القراءة الجيّدة، للقصيدة الجيّدة، كتابةٌ، لها، جديدة، وإن قد تكون مغايِرة، بل قد يجب أن تكون مغايِرة، هذا "التَّغايُر" دليل غِنى القصيدة وخصبِها: صُوَرًا، فِكَرًا، بَيانًا، إيقاعًا، إيحاء، تأثيرًا...

باسِمة باسِمةٌ دَومًا. لَكأنّها، وعلى الرّغم من...، تُبقي خَلاصَها عَبْرَ ابتسامةٍ مُضيئة. وقد نقلتِ ابتسامتَها العميقةَ الإشراقِ، إلى شِعرِها العميقِ الفِكْر، الواسعِ الصُّوَر، الإيحائيِّ الرّموز، الغنيِّ الإيقاع.

وشِعرُها، باسمة، يتجدّدُ في قلب الأصالة، ومنها ينبُع. ألوزنُ معروفٌ؟ صحيح. لكنّه يُفاجئُ، بإيقاعاتِه: داخليّة نفسيّة، عَبر تَراكُمِ حروفٍ تتجانسُ، تتغامَز، تَلينُ أو ترِقُّ، بحسبِ الفكرةِ والعاطفة والصّورة. عَبْرَ تَلوينٍ بين خبرٍ وإنشاء، بين تَوازنٍ وتوازٍ، تشبيهٍ واستعارة، عَبْر ظِلالٍ وألوان، ولا يغيبَنَّ عنّا أنّها الرّسّامةُ باللون، بالكلمة، بالإحساس. وبإيقاعاته الخارجيّة المادّيّةِ، يُفاجئُك شِعرُها عَبْر القافيةِ اللاتُستَبْدَل، والرّويّ الفريد، المُنسَكِبِ انسِكابَ العفويّةِ في نَبْضِ القلب.

 

عَمَّ تكتبُ، باسِمة، ولِمَ تكتب؟ وكيف؟ وبِمَ؟ وحتّامَ؟

تكتبُ حُبًّا عن الحُبّ، لأنّها تُحِبّ، وبالشّفوفيّةِ الأرقّ من نسمة عطر، بمِداد نورِ قلبِها، لا إلى انتهاء. وهل للحُبّ انتِهاء!؟ إن كتبت عن حبيب، فلأنّها عاشقةٌ بامتياز؛ وإن كتبت عن لبنان، فلأنّها تذوب، فيه، عشقًا؛ وإن كرّمت شاعرًا، أو مُبدِعًا، بقصيدة، فلأنّها تلتهِبُ في حبّه. أوَتعرفون؟ إنّها باسِمة!

وشِعرُ باسِمة شفيفٌ كألوانِها، كتدفُّقِ الدِّماءِ في شرايينِها يتدفّق، ويَصْفو كسماءِ "وطى الجوز" (ضيعتي) في آب. والتّعبيرُ، عند المهندِسة الخَلّاقة للقصيدة الرّائقة الرّاقية، باسمة بَطولي، مطواعٌ بإتقانٍ يتراءى عفويًّا كانسِياب نبع سخيّ، بسيطًا بساطةَ قلبٍ مُحِبّ. وهو قويُّ السّبْكِ، متينُ البنية، موجَزٌ كثيفُ الإيجاز الدّالّ، المُضيء، المؤثِّر، الموحي، مثلُ قولك: أُحِبُّ!

وأنتَ، أمام قصيدة بطولي، ترى نفسَك في معرض رسمٍ جميل، ونَحْتٍ بالمستوى نفسِه. أللّوحاتُ منوَّعة الموضوعات، تُوَجْدِنُها، مهما كانت: تكريم مبدِع، وصف حال، أو سِوى ذلك؛ فإنّ روحَها المشتعِلة، لا تختفي ولا تخبو، إنّما تستمرّ واثقةً تدعوك، مغلَقةً تستفزُّك، مختلِفة الصُّوَر، توحي إليك. وأنت، أمام قصيدتِها، تشعر بالنّعمةِ كيف "تهبط"، كيف "تُلهِم"، كيف "ترقى"! وأنتَ... أن "تعرفَ"، أن "تستوحي"، أن "ترتقي". قصيدتُها دعوةٌ إلى ما تشتهي ذاتُك من خيرٍ، حُبٍّ، جمالٍ، حرّيّة. فتُحيي، فيك، نشوةَ الحسّ والرّوح، تُلهِبُ كِيانَكَ كلَّه، فتستغرق، منتشيًا، محلِّقًا.

"مع الحُبّ حتّى الموت"؟ عفوكِ، شاعرتي، بل مع الحُبّ حتّى الموتِ حياةً! "مكلَّلةٌ بالشّوق"؟ بل بإشراق الحُبّ! "عرباتُ الصّدى"؟ بل عبقريّةُ أن تُحِبّ! "حينَ ترتدي النّارُ عُريَها"؟ بل الرّوحُ تلبس جسدَها النّقيّ، المُشرِق. وهكذا شِعرُها، باسمة، حبٌّ، في حُبٍّ، إلى مدى الحُبّ الأرحب.

وهكذا، فنحن، معها، على موعد خلاصيّ مميَّز: شِعر باسمة بطولي امتدادٌ لحياتها، لأحلامها، لتأمّلاتها، لإيمانها، لصلواتها، لرجائها... امتدادٌ لذاتها، بكلّيّتها، إلى ذواتنا، ترقى بنا، فنشفّ، معها وبها، فنبلغ النّشوة الفنّيّة الّتي تُقيمنا في قلب السّعادة.

 

وطى الجوز 23/7/2012

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.