3

:: رؤيا إلى "التَّعايُش"/العيش/الحياة! ::

   
 

التاريخ : 14/07/2012

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1098

 


 

 

ألتَّعايُش، كما أرى، طريقٌ إلى الانصِهار. فما التَّعايُشُ، وما الانصِهارُ، وما ضرورتُهما، وما قيمتُهما؟

 ألتَّعايُشُ، قاموسيًّا، هو العَيشُ على الأُلفة والمَوَدّة. مِن عايَشَ: عاشَ مع. عايَشَه: عاشَ معه.

 إنّما، كيف يَعيشُ النّاسُ، بعضُهم مع بعض؟

 من صفاتِ العَيشِ، الصّفاءُ: أجواءَ ونَوايا، ما يؤدّي إلى الفَرَحَين: خارجيًّا ونفسيًّا. والفَهمُ: كامِلًا غَيرَ منقوصٍ، ما يؤدّي إلى التَّفاهُم. والمحبّةُ: عميقةً وصادقة، ما يؤدّي إلى الانفِتاح. ألفرحُ والتَّفاهُمُ والانفِتاح، كنتيجةٍ حَتميّةٍ لِصَفاءِ النّفسِ، والفَهمِ المُتَبَصِّرِ، والمَحبّةِ المُنعِشة، مترابطةً مُتَكامِلةً مُنسَجِمة، سبيلُ العيشِ الهنيء، لا يُنَغِّصُه همٌّ، لا يُكَدِّرُه خَوفٌ، لا يلفّه التِباس. فالعيشُ المُنَغَّصُ مُنَغِّص، والمُكَدَّرُ مُكَدِّر، والمُلتبِسُ ممحوّ. ما هكذا العيش يكون، بل ظَنُّ عيش. ألظّنّ؟ وهْمٌ كابوسيّ!

 ولا أُمَيِّزُ، في هذا المجال، بين عيش وحياة، لئلاّ أُوقِعَ نفسي في التَّفَلسُف. أظلُّ في العيش على أنّه حياةٌ في الوقت عينِه. إنّه انطلاقُ النّفس، حرّةً جميلة، نابضة مليئة، حيّة قويّة، منفعلةً فاعلة، مؤثِّرة موحية، رائية في كلّ حينٍ وحال.

 عيشٌ هذه رؤاه، يقودُ، حَتْمًا، إلى الطُّمأنينةِ المُطلَقة. ومَن كانت حياتُه مُطْمَئنّةً، كان غَنيَّ القلبِ، خِصْبَ المَشاعِرِ، واثِقَ الرّؤى. يُحِبُّ ويُحَبُّ. إنّه كمالُ الذّات!

 إذًا، هي ذي دُروبُ العيشِ المُشتَرَكِ، التَّعايُشِ، إذًا التَّفاعُلِ الـْ هُوَ، بِدَورِهِ، خُلاصةُ الفِعلِ والانفِعال، أي التَّأثيرِ والتَّأثُّر. فالحياةُ مَدى ارتِقاءٍ لا نهائيِّ السّلام، والعمرُ انتِشاءٌ كُلّيُّ التَّآلُف!

 من هنا، لا من أيّ "هنا" آخر، يَكونُ الانصِهارُ، منسجِمًا مُتَكامِلَ الانسِجام، مُوَحَّدًا مُوَحِّدًا، لا يُنقِصُ قَلْبًا، لا يَتَغاضى عن آخر، فالمجموعاتُ، كما الأفرادُ، ائتلافاتٌ ومَوَدّات.

 تَعايُشٌ أم عيش؟

 يُظَنُّ، من هذه التَّفرِقة، أنّ التَّعايشَ احتيالٌ على العيش، له، فيه، منه، به! فالتّعايُشُ أمرٌ مفروضٌ، مفروغٌ من جَمْعه التّناقضاتِ الّتي تتنافرُ لا تتآلف، تتباغض لا تتحابُّ، تتباعد لا تتقارب، تتشابك لا تترابط، تُحاول الانسِجام... وهيهات أن!

 ألعيشُ/الحياة؟ تَكريسٌ لرغبةٍ واعيةٍ، واثقةٍ. واعيةٌ مسؤوليّتَها المُلْهِمةَ، واثقةٌ بوعْيِها الرّاقي. فالرّغبةُ الواعيةُ الواثقةُ، حَزْمُ إرادةٍ، عنيدةٍ في الحَقِّ، رائيةٍ إلى الغدِ، عَلَنيّةِ النّوايا. فالحقُّ واضِحٌ صَريح. ألغَدُ زهرةُ البالِ الأنقى. ألنَّوايا عُذوبةُ الصَّفاءِ الأبْهى.

 هو لُبنانُ، "لُبّْ أَنان"، قلبُ الله، أيُعقَلُ أن يَكونَ "قَلْبُ اللهِ" غَيرَ مُتَعايِشٍ مع حالِه!؟ ألنّبْضُ والشّرايين والدِّماء، أيُعقَل ألاّ تنسجمَ وتترابط وتتكامل، ويبقى القلبُ سليمًا، يُسبِّبُ حياةً، يُلْهِمُها، يُنعِشُها، يَظَلُّ يُنعِشُها، فتستمِرُّ حياةً حيّةً، مُحييةً، الآن، وكلَّ آنٍ، هنا، وكلَّ هنا!؟ ألآخَرُ؟ صورةُ حالِنا. أيُعقَلُ ألاّ يَكونَ "قَلْبُ اللهِ" مُنْصَهِرَ "الأركان" بنبضِ شرايينِهِ وتَدَفُّقِ دمائه!؟ ينفجر!

 ألحقَّ الحقَّ، إنّ لُبنانَ، كلَّهُ، قلْبٌ كبيرٌ، يَحيا بنبْضِ قلوبِه! كلٌّ منّا قلبٌ من قلوبِ لُبنانِنا! نُحِبُّه يُحِبُّنا. ألحُبُّ حياتُنا. ولا يَكونُ الحُبُّ تامًّا، كامِلاً، مُطْلَقًا، إلاّ متى كنّا في "عَيْشٍ" قائمٍ على الأُلفةِ والمَوَدّة، في "تَعايُشٍ" راسِخٍ على الانفتاح والقبول، في "انصِهارٍ" مُتَأصِّلٍ ممتدِّ الجُذورِ، من أقصى الوطنِ إلى أقصاهُ. في حياةٍ هي "الحياةُ"، الحياةُ كلُّها: منتعشةً منعِشة، ملأى فيّاضة... إنّه لُبنانُ الوطنُ القَلْبُ، عليه نُحافِظُ، كما نحافظُ على حَبّاتِ قلوبِنا. إنّه الرّجاءُ، والرّجاءُ، أبدًا، لا يَخيب.

 ألحياة!؟ إنّها طُمأنينةُ النّفسِ ونَشوتُها، تَفَجُّر الجسدِ وفرحُه. وإنّها السَّلامُ في النَّوايا والضّمائرِ والقُلوب... ألسّلام! وما أدراكَ ما السّلام! طُمأنينةُ النّوايا؛ نَشوةُ الضّمائر؛ صَفاءُ القلوب. ألسّلامُ؟ كمالُ الذّاتِ: حيّةً، حُرّةً، رائيةً، نَقيّةً، مُبتهِجة!

 هو هكذا الانصهارُ يَتمّ. فلا أنا أنا وحدي، ولا أنا أنت، ولا أنت أنت وحدك، ولا أنت أنا، كِلانا مُفرَدٌ جَمْع، وفي الآن نفسِه، في تآلفٍ حقيقيّ، على انسِجامٍ راقٍ، فتتألّقُ فينا الحياةُ، وفيها نتألّق. نقتربُ من المِثال؟! هو هو الهدفُ الّذي إليه نستمرُّ نَسعى بوعيٍ ناضج، ومسؤوليّةٍ شاملة... وبمحبّة. بالمَحَبّةِ الخَلاّقة كلِّها!.

 

ألسّبت 19/11/2011

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.