3

:: تحقيق حول النقد العربي مع الباحث الناقد الأستاذ د. عبدالله بن أحمد الفَيفي ::

   
 

التاريخ : 08/07/2012

الكاتب : خير الله زربان   عدد القراءات : 2031

 


تحقيق حول النقد العربي مع الباحث الناقد الأستاذ د. عبدالله بن أحمد الفَيفي- خير الله زربان

 

د. عبدالله بن أحمد الفَيفي في تحقيق حول "النقد العربي":

ـــــ الأدب السعودي لا يدرّس إلّا في نماذجه القديمة! والحركة النقديّة اجتهادات فرديّة، ولا مؤتمرات علميّة لدينا، ولا ندوات نقديّة تُذكر!

ـــــ المدارس النقديّة الحديثة ليست غريبة على تراثنا النقدي!

****

 

 

أحسب أن النقّاد الحقيقين قليلون. وليست القلّة من حيث العدد، ولكن من حيث التأهيل والنوعيّة والإخلاص.

أمّا الأدب السعودي، بوصفه مادّة درسٍ نقديّ، فهو لا يدرّس في المدارس أصلًا، ولا يدرّس غالبًا في الجامعات، إلا في نماذجه القديمة! ونهوض حركة نقديّة أكاديمية حوله تظلّ اجتهادات فرديّة، أو من خلال بعض الرسائل العلميّة، لنيل الماجستير والدكتوراه. أضف إلى هذا أن لا مؤتمرات علميّة، ولا ندوات نقديّة، إلّا على نحوٍ منمّطٍ، ومحدودٍ جدًّا، بحيث تكاد تنتهي قبل أن تبدأ. كانت هناك مثلًا ندوات نقدية سنوية في بعض الأندية الأدبية قبل سنوات، وكانت مثمرة جدًّا، فما لبثت أن فصِّلت، وعُلِّبت، وشُرِّق بها وغُرِّب، حتى اندثرت وانقرض روّادها.

إلّا أن دور الناقد- بعامّة- يظل غير دور المسوِّق الإعلامي. بمعنى أنني غير معنيٍّ بالكتابة عن عملٍ جديد، فقط لأنه جديد أو جميل، ما لم أجد فيه ما يمكن أن يقال في الحقل النقدي؛ لما يحمله من عناصر نوعيّة. تلك وظيفة النقد الأكاديمي. أمّا ما يمكن أن يسمى النقد الإعلامي، فله أن يلعب ذلك الدور التعريفي بالأعمال، وإضاءة بعض جوانبها.

وأمّا النظريات النقدية، فهي - مبدئيًّا- إنسانيّة، وليست قوميّة، أو قُطريّة. والأمر فيها متعلّق بمجمله بشروط علميّة وفلسفيّة، هي أقل من أن تُنتج في عالمنا العربي أيَّ نظرية، تستحق هذا الاسم، في النقد أو في غير النقد. دون أن نغمط بعض المحاولات حقّها، لكنها، قياسًا بالآخَر، زهيدة.

نعم، لقد بقي العرب كلّهم مجترّين في العصر الحديث، لماضيهم أو لآخَرهم، لا النقّاد وحدهم! وذلك لأسباب نفسيّة وموضوعويّة، حضاريّة، هي أعقد من مسألة النقد الأدبي. غير أن التصوّر أنه ينبغي أن يكون هناك نقد عربيّ صِرف وآخر غربيّ، ونظريات شعوبيّة، عربية، ويابانية، وهندية، وتاهيتية.. إلخ.، لمقاربة النص الأدبي، هو تصوّر غير صحيح. النقد يتعامل مع نصوصٍ ورؤى وأفكار، وهذه مشتركة بين بني البشر، ومتشابهة، ومتداخلة. ومن ثَــمَّ لا يمكن أن تقوم حولها حركة نقدية متمايزة بين الشعوب، بتلك الصفّة الحدّيّة، كما يمكن أن يكون عليه الحال في بعض المنتجات المادية. لذلك فإن آليات النقد يمكن أن يستخدمها العربي كما يستخدمها الغربي، بغض النظر عن مصدرها وعن منتجي مفاهيمها. مثلما أن الطبّ الحديث لا يُعقل أن نرفضه لنعود إلى الطب العربي، تحت شعار الأصالة. نعم علينا أن نُسهم، وأن نطوّر، وأن نؤصّل، أمّا دعوى الانغلاق باسم الأصالة، فمصادرة على غير أساس.

لقد قلتُ في بحثٍ لي، نشرته قبل عشر سنوات أو أكثر، بعنوان "الإشارة- البنية- الأَثَر (قراءة في "دلائل الإعجاز" في ضوء النقد الحديث)": إن مصطلحات كـ(الإشارة والبنية والأَثَر)- على سبيل المثال- التي تعود إلى ثلاث مدارس نقديّة حديثة، هي: (السِّيْمَوِيَّة، أو السيميولوجيا Semiology)، و(البنيويّة Structuralism)، و(التفكيكيّة Deconstruction)، سوف نجدها بإعادة القراءة في مرجعٍ نقديٍّ عربيٍّ قديمٍ، هو "دلائل الإعجاز" لعبد القاهر الجرجانيّ (-474هـ= 1081م)، وأن الرجل قد عالج المفاهيم الجوهريّة التي تشير إليها تلك المصطلحات- وإنْ اختلفتْ تسمياته- وأنها قد مَثّلت مادة نظريّته، التي يسمّيها: "النَّظْم". وهذا يُثير عددًا من التساؤلات حول مِثل هذه النظريّة التي لم تستكشف آفاقها كما ينبغي، فضلًا عن أن تُحْيَى مفهوماتها ومصطلحاتها، ويُبنى عليها، لتُشكِّل إنجازًا يضاهي في السياق العربيّ منجزات المدارس الألسنيّة النقديّة الحديثة أو تؤازرها. كما يثير التساؤل في المقابل حول جدوَى الموقف الرافض للمدارس الحديثة، وجِدِّيّة الموقف المنبهر بها، ما دامت في منتهاها ليست بجديدة كلّ الجِدّة على الثقافة العربيّة. وتلك مسؤوليّة جيلٍ من النُّقّاد، ما يزال- غالبًا- يتبنّى ولا يبني، وإنْ بنى آثر- كثيرًا- أن يؤسّس بنيانه على شفى جاهزٍ مستورد.

إن المدارس النقديّة الحديثة، إذن- التي يقف منها بعضٌ موقف الرافض، ويقف آخرون موقف المنبهر- ليست في جوهرها بغريبة كل الغرابة على تراثنا النقديّ، ولا بغربيّة تمامًا. ولعل استعادة تلك المنطلقات النقديّة للتأسيس عليها، كان سيقف الناقدَ موقفَ الندّ مساهمًا في النظريّة النقديّة الحديثة، عِوَض أن يقف موقف تابعٍ مستهلِك. وممّا لا شك فيه أن الصِّلَة بنظريّات النقد الحديث تساعد على إعادة استكشاف التراث- الذي قد تكون تقطـّعت بالحاضر بعضُ سبل روافده الفكريّة والحضاريّة- ومن هناك السعي إلى قراءته واستحياء معطياته البنّاءة الأصيلة. بيد أنه يجب أن ننأى بأنفسنا عن مظنّة الزعم بأن هذا النصّ النقدي أو ذاك قد استوعب في "دلائل إعجازه" تلك التجلّيات الفلسفيّة للمدارس الحديثة. ولا بد من التأكيد أن موقف الاعتزاز بالتراث، المتمثِّل في إعادة استكشافه واستلهامه، لا ينبغي في النهاية أن يُفضي إلى وهم الاستغناء، ولا أن يكفّ الأبصار ولا البصائر عن منهاج قويمٍ في الإفادة من إنجازات الآخر، كائنًا مَن كان؛ مِن أجل مزيدٍ مِن فهم التراث نفسه، ومزيدٍ من إثراء المشهد النقديّ، حاضرًا ومستقبلًا.

 

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفيفي

"تحقيق حول "النقد العربي"،

مجلَّة "الإعلام والاتصال"، العدد 166، جمادى الآخرة 1433هـ= مايو 2012م، ص22- 26]

http://khayma.com/faify/index372.html

p.alfaify@gmail.com

http://www.facebook.com/p.alfaify

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.