3

:: هنري زغيب في "جبران... شواهد الناس والأمكنة" - نموذجٌ ناصعٌ لإغناء تراث جبران ::

   
 

التاريخ : 07/07/2012

الكاتب : سهيل بشروئي   عدد القراءات : 1767

 


 

 

 

تربطني بالشاعر هنري زغيب، منذ سنوات، اهتماماته الرصينة بجبران، والأهم: إيمانٌ عميقٌ بدور لبنان الحضاري لا في العالم العربي فحسب، بل في المجتمع الدولي ككل. وهذا الإيمان بلبنان يربطه وثيقاً إيمانٌ عميقٌ بصدق فكر جبران الذي آمن ان "الحقيقة الأزلية" وحدةٌ متكاملة تتآلف فيها الأضداد وتنصهر كلها في جوهر الواحد الجامع الكل. ومع ان جبران كان مسيحياً مارونياً اتّخذ يسوعَ المسيح مثال الكمال والمحبة والتآلف، فهو فتح قلبه وعقله للتعاليم الروحية التي جاء بها الإسلام، ومن يدرس فكر جبران عميقاً يلمس موقفه لا من الدين الإسلامي فحسب، بل من الأديان جميعاً. وجبران شَهَرَ دعوته هذه في كل ما فعل وكتب واصفاً إياها بـ"دعوة الوحدة الروحية الجامعة كل الأديان، الباسطة حمايتها وغايتها لكل إنسان". من هنا أطلق جبران رسالة روحانية وحدوية تجمع ولا تفرّق، لا ترمي الى حلول سطحية لأشكال الصراع في العالم، بل الى التوفيق بين الأضداد، وخلق الانسجام والتفاهم رغم الاختلاف والتعدّد. هكذا نظر الى تعاليم المسيحية والإسلامية واليهودية، لا تحصرها حدودُ دين، بل تعلو على الطقوس والمعتقدات الى جوهر الدين الصحيح. وعبر عن ذلك المنظور الوحدوي الشمولي في نصِّه الصوفي "إرَمَ ذات العماد"، بقوله: "كل ما في الوجود كائن في باطنك، وكل ما في باطنك موجود في الوجود. لا حدَّ فاصلاً بين أقرب الأشياء وأقصاها، بين أعلاها وأخفضها، بين أصغرها وأعظمها، ففي قطرة الماء الواحدة جميع أسرار البحار، وفي ذرة واحدة جميع عناصر الأرض، وفي حركة واحدة من حركات الفكر كل ما في العالم من الحركات والأنظمة".

تلك الرؤية الوحدوية المتغلغلة في كيان جبران الروحي والفكري يشاركه فيها الشاعر هنري زغيب.

من هذا المنطلق أقول إن هنري زغيب وريثٌ روحيٌّ لجبران، مؤمنٌ مثله بـ"دين الوحدة والاتحاد". وكتابه الجديد "جبران خليل جبران: شواهد الناس والأمكنة" نموذج تلك الوحدة المتآلفة، ومرجعٌ ناصعٌ لإغناء تراث جبران.

 

 

ومع إمكان وصفه من "أدب الرحلات"، فهو أوسع من ذلك. ومنذ المقدمة أوضح أنّ كتابه "ليس دراسة في أدب جبران، ولا استقصاءً بيوغرافيّاً، بل رحلة الى جبران بدأتُها قبل ربع قرن، خاصّة حميمة صوب الرجل الكاتب لا صوب الكاتب وحسب، فهي اذا شهادة على المكان والزمان".

هذه الرحلة صوب جبران، حين سجلها قلم هنري زغيب شاعراً، تخطّت مواصفات اللغة والأدب، وبأن تعانقت فيها الكلمة مع الروح، فاذا بالروح هو الكلمة، والكلمة هي الروح. ولئن تواضع هنري زغيب ونفى أنْ يكون كتابه "استقصاءً بيوغرافياً"، فالمعلومات القيمة التاريخية التي جاء بها أثارت جوانب متعدّدة من حياة جبران الفكرية والروحية. وشكراً له على ما أورده في كتابه عن الارشمندريت انطونيوس بشير الذي لم يُعطَ حقه بأنّ ترجمته كتاب "النبي" الى العربية إنجازٌ لم يجاره فيه أيٌّ من المترجمين بعده.

كتاب هنري زغيب وثيقة جغرافية حدّد فيها الأماكن المختلفة وارتباطها بجبران وبآثاره وببعضها البعض ووصفها وصفاً دقيقاً وحدّد أماكنها وتضاريسها كاملة. فهو ملفٌّ يزخر بصور الأمكنة والأشخاص، وفهرسٌ مفصلٌ لآثار جبران وأماكن وجودها.
وكتاب هنري زغيب وثيقة تاريخية أرّخ فيها الأحداث الرئيسة في حياة جبران الأدبية والفكرية وحتى الاجتماعية، وقام بدور المؤرخ الدقيق فدعم تحليله التاريخي بوثائق تؤكد صحة رؤيته.

وكتاب هنري زغيب حلقة وصل بين الشرق والغرب تتّحد فيه شخصية جبران الآتي من لبنان بشخصية جبران المهاجر الى العالم الجديد فندرك بعد قراءتنا الكتاب أنّ جبران تحدّث بلسانين مختلفين، لكن لغته كانت واحدة: لغة الوحدة والاتحاد والسلام والائتلاف.

وكتاب هنري زغيب جمع قصصاً كثيرة لكل منها معنى خاص، فكشفت تلك القصص جوانب من شخصية جبران الرومانسية الغامضة أحياناً، وأكّد صدق بصيرته وحصافة رأيه في أولويات علينا التمسك بها لبناء مجتمع إنسانيّ على أسس العدل والمساواة والاحترام وهي من حق كل إنسان.

وكتاب هنري زغيب جمع الكثير ووحّد بين الاتجاهات الأدبية والفكرية والموضوعية، فجمع الشعر والنثر، ومبادئ الدين والسياسة، وأسس قيم الماضي، فترجمها رموزاً حديثة وربط الماضي بالحاضر، وقدّم لنا موسوعة جبرانية خالدة سيكون لها الأثر الرئيس بتوجيه الدراسات الجبرانية في المستقبل.

وكتاب هنري زغيب مرجعٌ جبرانيٌّ جاء نتيجة رؤيته ومنهجه العلمي الأكاديمي بموضوعية جعلها أساس أبحاثه، لكنه لم يحرمنا نفحته الشعرية التي لا يمكن قارئ الكتاب ان يتجاهلها نفحة تنعش الروح وتلهم العقل.

هكذا إيمان جبران بأن الكلمة "إرثٌ خالد" تركه للبنانه العظيم فوهبنا ووهب العالم قلبه ونفسه حين وعدنا بقوله: "جئت كي أكون للكل وبالكل. ما افعله في وحدتي اليوم يعيده المستقبل أمام الناس، وما أقوله بلسان واحد يقوله الآتي بألسنة عدة".

وهذا هو صوت جبران الذي هو صوت "لبنان الخالد" الداعي العالم الى الوحدة والاتحاد، ورفع راية المحبة الشاملة الكاملة.

شكراً لهنري زغيب الذي أعاد إلينا هذا الصوت الخالد، رمزاً أبدياً يبقى لنا ذخراً وعونا على تقلبات الزمان.

مؤسس الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية ورئيسه
(جامعة ميريلاند – الولايات المتحدة)

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.