3

:: ألقَلَق (2) ::

   
 

التاريخ : 10/06/2012

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 905

 


 

 

       ... أن تُحِبَّ!.. "تلك هي المسألة"! أن تقدرَ، أنت المسكونُ بالقلق، على أن تُحِبَّ، هو، حقًّا، لَمسألةٌ كبرى!

       فكيف تستطيع ذلك، أنتَ المرتجفُ خَوفًا، المُختَلِجُ نفسًا، المرهَقُ كِيانًا، المُكَبَّلُ فِكرًا، المقَيَّدُ أجنحةً، غيرُ المستقِرِّ؟

       ألخائفُ؟ مُزَعزَعُ البُنيتَين: الرّوحيّة والجسديّة. ألمزعزَعُ لا تستقيمُ له حالة، جسدًا ولا روحًا. إذًا، فلا يقدِرُ على شيء.

       ألمُختلِجُ نفسًا، مختنِقٌ نفَسًا. مختنِقُ النّفَس، مُشرفٌ على الاختِناق، لا يرى، لا يَعقِلُ، لا يركّز. إذًا، فلا يستطيعُ شيئًا.

       ألمرهَقُ كِيانًا، خائرٌ قوًى. خائرُ القوى، مُتَلاشٍ أعصابًا، ضبابيُّ الرّؤى، على شفير الانهيار. فكيف، إذًا، يقاوم قلَقًا!؟

       ألمُكَبَّلُ فكرًا، قاصِرٌ طموحًا. قاصِرُ الطّموحِ، مُخَلخَلُ الأحلام، لا يهدأ، لا يستكين. إذًا، فهل يوحي بأن يَدفعَ قَلَقًا؟

       ألمُقَيَّدُ الأجنحة، مُترَعٌ يأسًا. ألمترَعُ يأسًا، منتزَعُ الأصول، فلا جذوع، ولا أغصان، ولا أثمار. فهل ينجو من قهرٍ مجنون القلَق؟

       غيرُ المستقِرِّ، تتنازعُه الأهواءُ، الميولُ، الرّغائبُ، فلا ينتفِضُ على ذاته، إنّما يستسلم، يتلاشى، ينوص. فهل نحلُم بأن ينتفِضَ ليطمئنَّ؟

***

       غيرُ المستقِرِّ، يمكنُ له أن يعرفَ الاستِكانةَ... بالحُبّ. ألخائفُ، يقدِرُ على أن يطمئنَّ... بالحُبّ. ألمُختلِجُ نفْسًا، يستطيعُ ألاّ يختنقَ... بالحُبّ. ألمُرهَقُ، كِيانًا، تقوى قواهُ... بالحُبّ. ألمُكَبَّلُ، فِكرًا، يَتخطّى إلى الطّموح... بالحُبّ. ألمُقَيَّدُ، أجنحةً، يمتلئ آمالا... بالحُبّ. غيرُ المستقِرِّ، الخائفُ، المختلِجُ، المرهَقُ، المُكَبَّلُ، المُقَيَّدُ، ينتصرُ على نفسِه... بالحُبّ.

       ألحُبُّ، في وجه من وجوهه، انبِثاقٌ من قلب القلَق، من جوهره، اختراقٌ له، وصولا إلى الطّمأنينة التّامّة، فلا خوفَ ولا اختلاج ولا إرهاق ولا سلاسل ولا قيود، بل استقرار، الاستقرارُ كلُّه. فهل؟

       ولِمَ لا!؟ لا حالة مؤبَّدة. من حيث الجسدُ، ولا من حيث النّفسُ. كلُّ أمرٍ حائل. لكلٍّ فكرٌ، إرادةٌ... ألمالِكُ فكرًا وإرادةً و...، مالِكٌ حزمًا. ألحازِمُ؟ يقسو على نفسه، يتعالى عليها، يتجاوزها، ليسمو بها. وإنّهُ لَقادرٌ. صَلابتُه أقوى.

       والحُبُّ، في وجهٍ آخر، هو أن تهَبَ نفسَك، كلّيًّا، إلى آخر، لكن لا تصيران واحدًا. فماذا يُحدِثُ هذا "الانوِهاب"؟ 

       هذا "الانوِهابُ"؟ هو انقلاب. على الذّات، بدءًا، ثمّ على الآخر، انتهاءً إلى سعادة النّجاح. ألنّجاحُ الحقُّ، يعجزُ عنه الفرد. ألنّجاحُ، هذا، عَمَلُ جماعة. لـ"يَنوهِبْ" كلٌّ منّا، تنجح الجَماعةُ، وتسعد. أليستِ السّعادةُ حُلمًا، نحاولُ، كلُّنا، أن نجعلَه بين أيدينا!؟ وإنّا لَقادرون!

       والحُبُّ، في وجهٍ ثالثٍ، خروجٌ من الـ"كَرْتَنَةِ" على الذّات، فَهْمٌ لدور، تحليقٌ، دائمٌ، لتحقيقه وترسيخه، بحرّيّةٍ واثقةٍ، وإباءٍ نبيل. فكيف؟

ألخروجُ من الـ"كَرتَنَةِ" على الذّات، اندفاقُ حُبٍّ عظيم، مَدٌّ لانهائيّ. إنصهار حتّى التّلاشي، ولا امّحاء. تَفاهم كلّيُّ التّناغُمِ، ولا ذوبان. ألحبّ اتّحاد لا يلطّخه، أو يُلغيه، إلاّ نقصانٌ، عصيانٌ، انزلاقٌ، خطيئة. هو الحُبُّ خلاصٌ يتوهّج فيّ. يُشِفُّني. يُسْميني. به يتمُّ الخلاص! فكيف؟

       أنتَ، إن أحببتَ، فلن يهتديَ القلَقُ إليك. ألحُبُّ حصنٌ يُحَصِّن. ألحُبُّ يملأك: ثقةً، قوّةً، إرادةً، حزمًا، فمن أين يتسرَّبُ، إليك، ما ليس بحُبّ؟

       ألمُحِبُّ ينجو بنفسه عن النّقصان، أيِّ نقصان. يستمرُّ مليئًا بالقِيَم. ألقِيَمُ تحصينٌ للفرد، للجماعة. ألمُحَصَّنُ، يَرفَهُ في الاطمئنان.

أن تُحِبَّ؟ هو أن ترفلَ بالنّعمة. ألحُبُّ نعمتُنا الكبرى. ألرّافلُ بالنِّعمة، ناءٍ عن كلّ ضعف.               ألرّافِلُ بالنّعمة يكون قويًّا، قادرًا، مُريدًا، رائدًا.

هو هذا، مَن لا "يذوقُ" القلَقَ.                                                       لذلك، لا تُخْلِ ذاتَكَ، لحظةً، من الحُبّ، وإلاّ انطفأتَ، فيبستَ، فصَوَّحْتَ، فزلتَ. كلُّ ذرّة في كيانِك، تلتحم بالأخرى فتكون أنت. لتكونَ أنت. هذا، لا يتمّ إلاّ بالحُبّ. تَماسُكُ الجسدِ إشارةُ حُبّ. تَماسُكُ الرّوح فِعْلُ حُبّ. تَماسُكُهما، معًا، خُلاصةُ حُبّ. يَلبس الجسدُ الحبَّ، فلا ينشعب. وتلبس الرّوحُ الحُبَّ، فلا تزول. ألحبُّ سببُ الكينونة. لا مطلق كينونة، إنّما الكينونة الخلاصيّة!

       ... ولكن، ولكن... ألا يمكن للقلَق أن يتحوّلَ، أو أن يكونَ، في أحيانٍ، "قلَقًا نعمة"، قلَقًا "نعيميًّا"!؟

 

       للحديث تتمّة.

ألأحد 5/2/2012

*

 

القلق (1)

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.