3

:: ألقَلَق (1) ::

   
 

التاريخ : 31/05/2012

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 1115

 


 

 

 

       أن تقلقَ؟ هو ألّا تحيا! فما المَعنى؟

       ألقلقُ شعورٌ بعدم الاستقرار النّفسيّ، يقود، حتمًا، إلى عدم اطمئنان، فعدم سلام داخليّ؛ يعود الفردُ، في هذي الحال، غيرَ قادرٍ على الحلم الرّؤيا الحُبّ؛ غيرَ قادرٍ على الحياة.

       مَن لا يعرف الاستقرارَ النّفسيَّ، لا يقدر على التّفكير الهادئ المُطْمَئنّ السّليم. ومَن لا يعرف السّلامَ الدّاخليَّ، لا يقدر على الصّفاء الذّهنيّ، الوضوح الرّؤيويّ، الخَلْق الإبداعيّ. في هذي الحال، يعود الفردُ غيرَ متمكِّنٍ من نفسِه. غيرُ المتمكِّنِ من نفسِه، مِمَّ يتمكّن!؟ بِمَ؟ كيف؟ غيرُ المتمكِّنِ، هذا، يعي حالتَه، ولا يستطيع شيئًا تجاهها. يتزايد قلقُه، يقع في العجز الثّقيل المنطفئ المطفئ، اليابس المُيبِس، المختنِق الخانق. فأيّةُ رؤيا له، أيُّ حُلمٍ، أيُّ فِعْل؟

       غيرُ المُطْمَئنِّ، لا يهدأ له بال، لا يستطيع تركيزًا، لا يقدر على السّكينة، يفتقدُ الوضوح، يُصبحُ كمَن في قلبِ العاصفةِ، هوجاءَ لا تستكِنُّ، لا تنتهي. كيف لا، وتكون حياتُه، بل ويكون "عَيشُه"، قلَقًا في إثر قلق في إثر قلق، طوال ديمومتِه على الأرض. في هذي الحال، يعود الفردُ غيرَ متمكّن من شيء. والأكثر إيلامًا، في هذا الأمر، أن يعيَ المرءُ حالتَه، وأن لا يستطيعَ شيئًا حيالها. تتشلّع نفسُه، تتناثر فِكَرُه، لا تلتحم، لا تتسلسل، لا تنسجِم.

       غيرُ النّاعمِ بسلامٍ داخليٍّ، غيرُ متصالِحٍ مع نفسِه. إذًا، فهو على خصامٍ دائمٍ، دامٍ، مع نفسه، أوّلا، ومع سواه، تاليًا. إنّ المتخاصمَ مع نفسه، لا يمكِنُه إلاّ أن يكونَ متخاصمًا مع الآخر، أيِّ آخر. فلا نفسُه مطمئنّة، ولا نفَسُه مرتاح، ولا نفسيّتُه واثقة، ولا شخصيّتُه متماسِكة. فلا محيطُه مطمئنٌّ معه وإليه، ولا مرتاح، ولا واثقٌ منه أو به، ولا متماسكٌ معه. إذًا، فهو وحيد، متعَبٌ متعِب، معذَّبٌ معذِّب، قانِطٌ مُقنِط. مثلُ هذا لا يفرح ولا يُفرِح ولا يعرف إلى الفرح سبيلا، فكيف إلى السّعادة!؟

       مَن لا رؤيا له، لا مستقبل له. مَن لا حلم له، لا خيال. مَن لا فِعلَ له، لا تأثُّر لا تأثير لا إيحاء. ولا شكّ في أنّ المستقبل ابنٌ للحُلم: واسعًا مُلَوَّنًا، مُوَسِّعًا مُلَوِّنًا؛ وللخيال: رحبًا عميقًا، مُفَتِّحًا مُعَمِّقًا؛ وللفِعل: جريئًا قويًّا، عنيدًا صريحًا.

       ومَن لا مستقبل له، مُصابٌ بِضُمور الأحلام ويَباسِها، بضعفِ الخيالِ وانطِفائه . أمِن كِيانٍ له، هذا، ناضجٍ، مستقلٍّ، واثق؟ ومَن لا مستقبل له، لا يَلَذّ له عيش، لا تهنأ له حياة. هذا، إن وعى أنْ لا مستقبل له. وإلّم؟ فالأمر الفناء.

ومَن لا حلم له، مُصابٌ بيباس الخيال. أمِن شخصيّة، له، واعية، صافية، رائدة؟ ومَن لا خيال له، مُصابٌ بالانفصام: لا واقع، لا طموح، يبقى يئنّ رازحًا تحت أثقالِ العدميّةِ المُقيمةِ فيه، ثقيلةً، الجارحةِ رؤًى، النّازفةِ سوداويّةً، المُتَلَبِّدةِ فوضى، المُلَبِّدةِ جِراحًا.   

       ومَن لا فِعل له، لا كِيان له ولا وجود. ألكِيانُ حضورٌ مميَّزٌ خَلاّقٌ مُبدِعٌ يتفاعل يرى يحلُم يفعل يوحي. والوجودُ تتميمٌ للحضور. ألوجودُ، في هذي الحال، ليس بالمعنى المادّيّ. هذا أوّل، لكن لا قيمة له، لأن لا حضور له. ألوجودُ المعنويُّ الرّوحيُّ الحيُّ المؤثِّرُ الفاعلُ الموحي.

ألقلَقُ يُقصي عن المُشاركةِ الحُبّ العطف الحنان... يُبعِدُ عن التّركيز الذّهنيّ الثّاقب... يُغرِق في الظّلمة المادّيّة النّفسيّة الرّوحيّة... يُفرِغ من الفرح الهدوء الطّمأنينة السّكينة... وهو يُخلي من الإنسانيّة الصّادقة العميقة الواسعة الشّاملة المُضيئة الحقّة...

ولكن، ولكن... ما سببُه، هذا القلَق!؟

للقلَق أسبابٌ كثيرة مختلفة متنوِّعة مترابطة متشابكة متفرِّعة... بعضُها يهطل عليك من خارج: سياسة إقتصاد جرائم تلوُّث فوضى... وبعضُها ينبُع من أعماقك: اهتراءُ أحلامِك، تَلَوُّثُ روحِك، غموضُ مستقبلِك، تيهُ نفسِك، ارتباكُ نفَسِك، اسْوِدادُ فكرِك...

مَن مسؤولٌ!؟ أنتَ، في نَمَطِ حياتِك، وأسبابِ ظروفِك، ونفسيّتِك، وربّما تركيبةِ شخصيّتِك... ومجتمعك، عاداته وتقاليده وطرق عيشِه...

فماذا تستطيع!؟ أن تُحِبّ! أن يخرج المرءُ من ذاته وعليها ويقدِرَ على الحُبّ، "تلك هي المسألة"!   

       ... ولها حديثٌ آخر.

 

ألخميس 19/1/2012

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.