3

:: أوقَفَني في الشِّعر.. وقال! ::

   
 

التاريخ : 18/05/2012

الكاتب : أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي   عدد القراءات : 1958

 


 

 

 لقد نُظر إلى الظاهرة العَروضية نظرة سطحيّة قاصرة، وزاد الاستخفاف بها حينما سُخِّرت في القرون المتأخرة في منظوماتٍ تعليميّة شتّى، تستعير من الشِّعر ظاهر الأوزان والقوافي، فتولَّد مَلالٌ من تلك المنظومات، ونشأتْ تأثُّرات بها، رانت على وظيفة العَروض الشِّعرية الأصليّة؛ فصارت تُخـتزل على أنها لمجرد التطريب وإمتاع الأُذن.  ثم طَرَأَ التأثُّر مؤخَّرًا بمفاهيم وافدة عن لغات أخرى، وآداب مختلفة، لها خصوصيّاتها الشِّعريّة، وفلسفاتها المغايرة، فأُريد أن تُسْقَط إسقاطًا على الشِّعر العربي، لتمسخه مسخًا، فلا هو أبقى على مشيته، وطوَّرها من خلالها،  ولا هو أصبح كالحمام!

إنّ كلّ شكلٍ فنّي هو نظام بالضرورة، وكلّ شكلٍ فنّي هو امتداد لسلالة من الإنجازات، ولرصيد من الإبداع، وكلّ شكلٍ فنّيّ هو انبثاق من تجربةٍ إنسانيّة مستمرّة، لها قوانينها.  وتجديد تلك التجربة إنما هو تجديد لفنّيّاتها، من خلالها، لا بالخروج عليها.  وتلك هي معضلة بعض مدَّعي التجديد بعامّة؛ من حيث هم نماذج صارخة للاغتراب عن بيئتهم الثقافيّة، لجهل معظمهم باللغة العربيّة، لا في دقائقها بل في أوّليّاتها، فضلًا عن مجافاة الشِّعر العربيّ والتراث.  ولا يستقيم تجديد ولا تحديث بمثل تلك المؤهّلات الهشّة في أيّ فنٍّ من الفنون.  ذلك أن التجديد في الأدب والثقافة لا يتأتّى إلّا من داخلهما، بعد العِلْم بهما، العميق والشامل.  وذلك ما ميَّز المجدّدين كافّة، في كلّ المعارف والفنون. 

وإذا كان معظم حداثيّينا هاربين من وجه اللغة العربيّة وآدابها، جهلاً وعِيًّا وعجزًا، فإن بعضهم إلى ذلك أجهل بما لدى الآخر، لغةً وإبداعًا وتاريخًا. فأنَّى لهم الإنتاج السويّ، فضلًا عن مزاعم تجديد الأدب العربيّ؟!  وشاعر (كمحمّد الماغوط) قد لا تنطبق عليه حالة أولئك الهاربين، إلّا أن السؤال يظلّ: ... وما البديل الشِّعريّ الذي أبدعه الماغوط سوى نثرٍ شاعريّ؛ ابن عربي، والحلَّاج، والنفَّري كانوا فيه أفضل شاعريّة منه؟  إلّا أنهم لم يتجرَّؤوا قط على تسمية كتاباتهم شِعرًا.  بل إن الماغوط نفسه لم يسمِّ ما يكتب شِعرًا بادئ الأمر؛ إذ لم يكن يعلم أن ما يكتبه يمكن أن يُسمِّيه أحدٌ  شِعرًا، لولا شهادة (أدونيس) له بأنه قد كتبَ شِعرًا، من حيث لا يدري!  والماغوط كذلك لم يكن مهتمًّا بأن يُسمِّي ما يكتب شِعرًا، كما هو حال غيره ممّن يكتبون اليوم قصيدة النثر، أو ينظِّرون لشِعريّتها، وإنما كانت نصوصه بمثابة أمصال علاجٍ وجوديٍّ، وحبوب مهدّئة لبراكين نفسيّة كانت تغتلي داخله، تمامًا كما كانت النصوص الأُولى من هذه الكتابات في فرنسا ثورة احتجاج فكريّة، كما تصف برنار(1).  فهو يقول: "كنتُ غريقًا، ولم يكن عندي وقتٌ لاختيار أو انتقاء صنف وطول ومنبت الخشبة التي ستُنقذني، وما كنتُ أكتبه لم أكن مهمومًا بهويّته، أو بتصنيفه.  كنتُ أكتب فقط لأنجو، وكذلك كنتُ ولا أزال، لا تعنيني التسمية التي تُطلق على ما أكتب: شِعرًا أم نثرًا أم نحتًا أم رقصًا."(2)  وهذا بالضبط هو ما نقول به هنا!  أمّا وقد بارك  أدونيس كتابة الماغوط ومنحها شهادة الشِّعر العُظمى، فقد أضحى الأخير مهمومًا بالقول: إن هويّة ما يكتب "شِعر"، وصارت تعنيه التسمية جدًّا، بل صار يقول: "كُلّ ما أكتبه شِعر! حتى لو كان نصًّا مسرحيًّا، أو مقالًا، أو زاوية صحفيّة!"  وأصبح ينظر إلى الشِّعر- عدا ما يدعوه "قصيدته" هو- بفوقيّة وازدراء!(3)  ثم خَلَف من بعده خَلْفٌ "رأسُه بألف سيفٍ" أن ما يكتب ما هو إلّا "شِعرٌ خالص"، لا مغمز فيه ولا ملمز، بل إنه ليُقيم نضاله الطفوليّ لإثبات أن هذه الكتابات هي "الشِّعر النهائيّ"، وقد وَرِثت الشِّعرَ كلّه عن بَكرة أبيه، وأقفلت بابه العتيق، وصلبته بالشمع الأحمر!   

ثم إن السؤال: ما الجديد، أو الحداثيّ في ترك القافية؟  ما الجديد في هذا؟ 

أجل، لقد كان كَلكَامش حداثيًّا، إذن كما أشرنا ذات مرة، وقبل 4000 عام، وربما كان ما بعد حداثيّ؛ لأنه كتب شِعرًا مرسَلًا من القوافي، أسطوريًّا، تنطبق عليه مواصفات (الحداثة بلا حداثة): الشكلانيّة، والأَسطرة، والغموض، والتطاول على المقدَّس، والتحرُّش بالمحرَّم، والهذيانيّة أحيانًا واللّا معنى! 

وهذا الضلال الذوقيّ الـمُبين يعيدنا إلى الذائقة الانطباعيّة العامِّيّة.  ذلك أن كثيرًا من الإحساس الذي يخامرنا لما نتوهّمه شِعرًا قد يتولّد عن شِعريّة خطابيّة، أو لمثيرٍ أيديولوجيّ، أو شَعبويّ، أو لمستفِزٍّ غرائزيّ.  ولا ينجو من مثل ذلك كبار الشعراء، نتيجة الخلط في وادٍ واحد بين طَرب الشِّعريّة وطَرب الشِّعر، بوصف "الشِّعر" جنسًا أدبيًّا ذا هويّة.  ولهذا كثيرًا ما تستدرجنا شِعريّات أخرى، تثقل كاهل الشِّعر، وليست منه.  ولقد فَطِن القدماء من النقّاد إلى هذا المنزلَق، فنَفَوا أن يكون شَرَف المعنى- على سبيل المثال- معيارًا لجودة الشِّعر؛ فالمعاني مطروحة في الطريق، حسب (الجاحظ، -868م)(4)، في قوله المشهور: "وذهب الشَّيخُ إلى استحسانِ المعنى، والمعاني مطروحةٌ في الطريق، يعرفها العجميُّ والعربيُّ، والبدويُّ والقرَوي، والمدنيّ، وإنَّما الشأنُ في إقامةِ الوزن، وتخيُّر اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحَّة الطبع، وجَودَة السَّبك، فإنما الشِّعر صناعةٌ، وضَرْب من النَّسج، وجنسٌ من التَّصوير."  وعقَّب (عبدالقاهر الجرجانيّ، -1078/ 1081م)(5) على ذلك بقوله: "واعلم أنهم لم يَعيبوا تقديمَ الكلام بمعناه من حيث جَهلوا أن المعنى إذا كان أدبًا وحكمةً، وكان غريبًا نادرًا، فهو أشرف ممّا ليس كذلك، بل عابوه من حيث كان مِن حُكم مَن قَضَى في جنسٍ من الأجناس بفضلٍ أو نقصٍ، أن لا يَعتبر في قضيّته تلك إلاّ الأوصاف التي تخُصّ ذلك الجنس، وترجع إلى حقيقته، وأن لا ينظر فيها إلى جنسٍ آخر، وإنْ كان من الأوّل بسبيل، أو متّصلًا به اتّصال ما لا ينفكّ منه.  ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصياغة، وأن سبيل المعنى الذي يعبّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير والصوغ فيه، كالفِضّة والذهب يصاغ منهما خاتمٌ أو سوار.  فكما أن مُحالًا إذا أنت أردت النظر في صوغ الخاتم وفي جودة العمل ورداءته أن تنظر إلى الفِضّة الحاملة لتلك الصورة، أو الذهب الذي وقع فيه العمل وتلك الصنعة، كذلك مُحال إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزيّة في الكلام أن تنظر في مجرّد معناه.  وكما أنّا لو فضّلنا خاتمًا على خاتمٍ، بأن تكون فِضّة هذا أجود، أو فَصُّه أنفس، لم يكن ذلك تفضيلاً له من حيث هو خاتم، كذلك ينبغي إذا فضّلنا بيتًا على بيت من أجل معناه، أن لا يكون ذلك تفضيلًا له من حيث هو شِعرٌ وكلام.  وهذا قاطعٌ فاعرفه."

وبذا، فأن "يشهق الجميع: هذا شِعر؛ لأن قوّة الشِّعريّة فيه"- كما يصوِّر محمود درويش في الذكرى الأربعين لرحيل محمّد الماغوط(6) ذلك لا يعني أنه قد بات: شِعرًا، بمعنى الجنس الأدبيّ المخصوص.  قصارَى ما يعنيه أنه: نثرٌ شاعريٌّ، جميلٌ مثير، شهقوا لحضوره، كما شهق مَن قبلهم، وتواجد، وفَنِيَ؛ لقوّة الشِّعريّة الصارخة في إشراقات الصوفيّة أو غيرهم ممّن استعملوا اللغة على ذلك النحو.  و"الشَّهقة" عمليّة نسبيّة، وهي بحسب الشاهق، وليست في النهاية بمعيار الشِّعر بالضرورة- بوصفه جنسًا أدبيًّا- إلاّ لدى شاعر تورّط في مقامٍ تأبينيّ! 

إنما (قصيدة النثر) قفز ٌعلى (الشِّعر)، باتجاه هاوية من العَدَم النوعيّ.  بل مَن يملك البرهنة العِلميّة التاريخيّة على أن قصيدة النثر- عند التمحيص- تطويرٌ للنثر العربيّ نفسه أو تجديد فيه، فضلًا عن أن يكون فيها ابتكار؟!  ذلك أن نماذجها كانت موجودة منذ أكثر من ألف عام، أي منذ العصر العباسيّ، على أقلّ تقدير!  اقرأ معي هذا النموذج (لمحمّد بن عبدالجبّار بن الحسَن النِّفَّري، -345هـ= 965 م)، بعنوان "موقف البحر"(7)، ثم قلْ لي: ما الذي يبقى لقصيدة النثر؟:

"أوقَفَني في البحر، فرأيتُ المراكبَ تغرقُ والألواحُ تَسلمُ، ثمَّ غرِقتِ الألواح، وقال لي: لا يسلم من رَكِبَ!‏

وقال لي: خاطَرَ من ألقى نفسه ولم يَركب!‏

وقال لي: هَلَكَ مَن رَكِبَ وما خاطَر!‏

وقال لي: المخاطرةُ جزءٌ من النجاةِ.. وجاء الموجُ فرَفَعَ ما تحته، وساح على الساحل.‏

وقال لي: ظاهرُ البحرِ ضوءٌ لا يُبْلَغُ، وقَعْرُهُ ظُلمةٌ لا تمكن، وبينهما حِيتانٌ لا تُستأمن!‏

وقال لي: لا تَرْكَبِ البحرَ فأَحجبْكَ بالآلةِ، ولا تُلْقِ نفسَك فيهِ فأَحجبْكَ بِهِ!‏

وقال لي: في البحرِ حدودٌ، فأيّها يُقِلُّكَ؟!‏

وقال لي: إذا وهبتَ نفسَكَ للبحرِ، فغَرِقْتَ فيه، كنتَ كدابّةٍ من دوابّه!‏

وقال لي: غَشَشْتُكَ إنْ دَلَلْتُكَ على سِواي!‏

وقال لي: إنْ هَلَكْتَ في سِوايَ كُنْتَ لِما هَلَكْتَ فيه!‏

وقال لي: الدنيا لمَن صرفتُه عنها وصرفتُها عنه، والآخرة لمَن أقبلتُ بها إليه وأقبلتُ بهِ عليّ!"

بل لنعُد إلى أقدم من هذا!  لنعُد إلى مثل هذا الكلام المنسوب إلى عليّ بن أبي طالب(8)، رضي الله عنه، مخاطبًا ابنه محمد بن الحنفيّة، لمّا أعطاه الراية يوم الجَمَل:

"تَزُولُ الجِبَالُ، ولا تَزُلْ!  عَضَّ على نَاجِذِكَ!  أَعِرِ اللَّهَ جُمْجُمَتَكَ!  تِدْ في الأَرْضِ قَدَمَكَ!  ارْمِ بِبَصَرِكَ أَقْصَى الْقَوْم!  وغُضَّ بَصَرَكَ.. واعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ."

غير أن هناك من لا يقرأ تراث العرب الأدبيّ ولا يعرفه، وذلك شأنه؛ فإذا هو يظنّ أن النصّ الأدبيّ لم يولد إلّا على يديه الكريمتين، ومن بنات كلماته! 

 

(1) انظر: (1993)،  قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا، ترجمة: زهير مجيد مغامس، مراجعة: علي جواد الطاهر (بغداد: دار المأمون)، 288.

(2) انظر: الماغوط، محمّد، (2002)، اغتصاب كان وأخواتها: حوارات حرّرها خليل صويلح، (؟ : دار البلد)، 20- 00. 

(3) قارن: م.ن، 25- 00.

(4) (1965)، الحيوان، تح. عبد السلام محمّد هارون (مصر: مطبعة مصطفى البابي الحلبي)، 3: 131- 132.

(5) (1984)، دلائل الإعجاز، قرأه وعلّق عليه: أبو فهر محمود محمّد شاكر (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 254- 255.  كذا في الكتاب: "فكما أن محالًا إذا أنت أردت...".  وحق العبارة أن تكون: " فكما أنْ محالٌ إذا أنت أردت..."، أو " فكما أنّ محالٌ إذا أنت أردت..."، على أن "محال" خبر مقدّم، ولا يسوغ أن تكون اسمًا، أو لعلها: " فكما كان محالًا إذا أنت أردت...".

(6) صحيفة "الحياة"، 23/ 5/ 2006.

(7) (2007)، الأعمال الصوفـيّة، راجعها وقدّم لها: سعيد الغانمي (كولونيا (ألمانيا)- بغداد: منشورات الجمل)، 64- 65.

(8) (1990)، نهج البلاغة، جمع: الشريف الرضيّ، شرح: محمّد عبده (بيروت: مكتبة المعارف)،  115- 116.

 

                                                                                                                            أ.د/عبدالله بن أحمد الفيفي

                                                                                              17- 5- 2012

p.alfaify@gmail.com

http://khayma.com/faify/index364.html

http://www.facebook.com/p.alfaify

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.