3

:: بين التَّوَحُّدِ والاتّحاد ::

   
 

التاريخ : 11/05/2012

الكاتب : إيلي مارون خليل   عدد القراءات : 902

 


 

 

       ألتَّوَحُّدُ غيرُ الاتّحاد.

       ألتَّوَحُّدُ زُهدٌ، فَكُرْهٌ للحياة الاجتماعيّة، فنُسْك. في هذا ابتعادٌ وتَخَلٍّ عن "اللذائذ" و"المُتَع"، و"المَباهِج" لغاية. قد تكون هذه الغايةُ مُجرَّدَ الابتعادِ عن الجَماعةِ، أيّةِ جَماعةٍ؛ أو الهروبِ ممّا يُثقِل على الذّات: جسديًّا، معنويًّا، نفسيًّا، وعلى غير صعيد؛ أو التَّوَحُّدِ في الله، كمَسعًى إلى القداسة.

       أن تَزهدَ؟ هو أن ترغب في "التَّرْكِ"؛ تَرْكِ ما لا تهتمُّ له، أو فيه. لا تحسبُه مهمًّا بالنِّسبة إليك. غيرُ المُهِمِّ قد يكونُ أقلَّ نفْعًا في حياتك. تجدُ سهولةً في نَبْذِه. فتفعل بسُهولةٍ لا تُضايقُكَ ولا تُضَيِّقُ عليك. فلا تأسف، ولا تندم، ولا تكتئب.

       أن تكرَهَ؟ هو أن تكونَ ناقصَ الإنسانيّة. ألنّاقصُ يكره. فالكُرهُ علامةُ جُبْنٍ، أو ضعفٍ، أو تَخاذل. هذا، كلُّه، شعورٌ بالنُّقصان من دون انتباه. من دون إحساس. وهذا، بِدَورِه، بعيدٌ من الجوهر. ألبُعدُ من الجوهر، نُقصانٌ في الهُويّة. نُقصانُ الهُوِيّةِ عدَمُ وجودٍ ولا كَينونة.

       فما "اللذّائذُ"، وما "المُتَعُ"، وما "المَباهِجُ"، لنستطيعَ التَّحَكُّمَ بـ"رغبتِنا" في "التَّرْك" و"التَّخَلّي"؟ وهل الأمرُ سهلٌ؟                

       أللذّائذّ، على أنواعها، إحساسٌ قصيرٌ بشيء يُفرح. لكن: ما دام إحساسًا قصيرًا، فلا أهمّيّةَ له. ما لا أهمّيّةَ له، سهلٌ أن "نتركَه"، أن "نتخلّى" عنه. هذا لا يُفقِدُنا شيئًا يُذكَر. والمُتَعُ، هي الأخرى، إحساسٌ بشيء يجعلُنا فرِحين للحظاتٍ يسيرة. ما قيمةُ اللحظاتِ اليسيرةِ، هذه، في مَسرى الأيّام، مَسرى العُمر؟ وكذلك المَباهِجُ، هي تتسبَّبُ بـ"فَرحةٍ" سريعةٍ، تظلُّ على المستوى المادّيِّ، الحِسِّيّ. كلُّ مادّيٍّ زائلٌ. ألزّائلُ سببُ اكتئابٍ، لا سببُ سرور. والحِسّيُّ، بِدَورِه، هَشٌّ، بل سريعُ الهَشاشة. ألهَشُّ مُسَبِّبُ فساد. ألفَسادُ انحِلالٌ، فموتٌ. فمَنْ يَزهدْ باللذّة والمُتعة والمَباهِج، يكنْ "تاركًا" لـ...، أو "مُتَخَلِّيًا" عن "شيءٍ" يَسيرٍ، إذًا فلا قيمةَ مُهِمّة له. وهذا بسيط، لا يتطلّبُ تضحيةً فائقة. إنّه شَكلٌ من أشكالِ الجَبانةِ، التَّخاذُلِ، الهروب.

       يبقى "النُّسْكُ"، وهو درجةٌ أرقى. أن تَتَنَسَّكَ؟ هو أن تُقيمَ، وحدك، وحيدًا، وبعيدًا من الجَماعة: عيلةً، أو مجتمعًا، أو أيَّ شكلٍ من أشكال الجَماعات. لا تستطيع أن تتنسّك، كما في "الزّهدِ"، وأنت تحيا في جماعة. ألتَّنَسُّكُ، في هذي الحال، ابتعادٌ من شكلٍ من أشكال الحياة. من الحياة الجَماعيّة. والإنسانُ "كائنٌ اجتماعيٌّ بالطَّبْع"؛ ليحيا في مجتمع، في جماعة. أن تتنسّكَ يعني، إذًا، أن تتنازلَ عمّا يُمكِنُ أن يكونَ حاجةً لك، حاجةً كَماليّة؛ وأن تستمرَّ حيًّا، جسديًّا، بالقليل من الضّروريّ اللازم لأوَدِ الجسد.

       غايةُ "التَّوَحُّدِ"، هذا، زهدًا وكُرهًا ونُسْكًا، هي التَّقَرُّبُ من الله: توبةً، تأمُّلاتٍ، صلوات، وصولا إلى الكمال والسّعادة الحقيقيّة. صحيحٌ أنّ الكمالَ أمرٌ مِثاليٌّ يستحيلُ بلوغُه في الحياة المادّيّة. والسّعادةُ الحقيقيّةُ، أليست، هي الأخرى، مِثاليّة؟ فكيف؟

       يعرفُ "المُتَوَحِّدُ" ذلك. لكنّه يعانِدُ نفسَه ويُجاهِدُها. يحلُم بالتَّقَرُّب، أقربَ ما يمكن، إلى الكمال/المِثال. يعتبرُ أنّ ذلك يحصُلُ عَبْرَ إرهاقِ الجسدِ، تعذيبِهِ: جَلْدًا، جوعًا، بَرْدًا، قَيظًا، قَمْعًا، حرمانًا... لا يَهمُّه هذا العالَم. لا تهمُّه هذه الحياة. يَهمُّه العالمُ "الآخَر". الحياةُ "الأخرى". "مملكتُه ليست من هذا العالَم". قناعةٌ خاصّةٌ لا سبيلَ إلى مُجادلتِه فيها. إنّها عقيدةٌ ثابتةٌ يُضَحّى من أجلها.

       أمّا الاتّحادُ، فذَوَبانٌ في الآخَر: فردًا أو جماعة. تكون الوحدةُ ذَوَبانًا من دون الابتعادِ من الذّاتيّة الخَلاّقةِ المُتَميِّزة. ألذَّوَبانُ اتّحادٌ، انصهارٌ، تَحَوُّلٌ إلى كائن أسمى إنسانيّةً، أكمل سعيًا، أرقى تَصَوُّرًا، أبعدَ رؤًى، أشملَ فكرًا، أخصبَ عاطفةً. هل يصل؟

       هو، أيضًا، يجهد ويُجاهِد مُحاولا. ألمُحاوَلةُ أملٌ بالوصول. فرحُ حِسٍّ ينتعشُ ويُنعِش. سعادةُ نفسٍ ذائبةٍ، حالمةٍ، عاملة. إذًا، فلا مَحْو للذّاتيّة في الاتّحاد. ذاتان تتكاملان. ذواتٌ تتكامل. هذا التَّكامُلُ شَرطُ الإنسانيّةِ فينا.

       وعليه، في التَّوَحُّدِ يَجهدُ الإنسانُ، ويُجاهدُ، وحيدًا، في سبيل قداستِه، قداستِه وحده. أمّا في الاتّحادِ، فيجهدُ الإنسانُ، ويُجاهدُ، مع السِّوى، في سبيل قداسة الجميع!

 

ألأربعاء 19/1/2011

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.