3

:: جديد هنري زغيب: "جبران خليل جبران - شَوَاهدُ الناس والأمكنة" ::

   
 

التاريخ : 27/03/2012

الكاتب : جماليا - بيروت - خاص   عدد القراءات : 2751

 


 

 

 

       في معرض الكتاب اللبناني - أنطلياس، وقّع صديقُ "جماليا" الشاعر اللبناني هنري زغيب كتابه الجديد "جبران خليل جبران - شَوَاهِدُ الناس والأمكنة"، الصادر حديثاً عن منشورات درغام - بيروت.

 

       الكتاب مجموعةُ لقاءات وشواهد ممن التقاهم المؤلّف في نيويورك وكانوا مُعاصري جبران وعرفوه وأدلوا بمعلومات عنه جديدة (أندرو غريب، فؤاد خوري، المونسنيور منصور أسطفان، نسيبة ماري هاسكل، الخ...)، ونصوصٌ تظهر للمرة الأُولى (مقدمة الأرشمندريت أنطونيوس بشير لترجمتِهِ كتاب "النبي"، خطبة البروفسور جيمس فرنكل الملحقة بترجمة "النبي"، مقدّمة جبران لديوان إيليا أبو ماضي، الخ...)، وجولات بالقلم والكاميرا قام بها المؤلّف على أمكنةٍ عاش فيها جبران أو ذاتِ علاقة به (بشرّي، نيويورك، واشنطن، ميريلند، فيلادلفيا، بيروت، مرجحين، الخ... )، ومعها جميعاً 120 وثيقة وصورة معظمها جديد يصدر للمرة الأولى يضمّها هذا الكتاب الأنيق الطباعة والإخراج في 272 صفحة من الحجم الكبير، وهو في ثلاثة أقسام: "شواهد الناس"، "شواهد الأمكنة"، و"الخالد في شواهد الزمان".

 

مخطوطة قصيدة جبران خليل جبران

"سكن الليل"

بخط يده

      

"جماليا" تتفرّد بنشر الإهداء الجميل الذي في مطلع الكتاب، ومقدمته التي شرح فيها المؤلف ظروف وضعه والدوافع وما يعني له جبران.

أَبعَدُ من إهداء

كان يُرسلُ إليها كُلَّ نَصٍّ قَبل إِرساله إلى النَّشْر.

وكذلك أنا.

كانت تُنَقِّحُ وتُصَحِّحُ وتَقْتَرِح.

وكذلك أنتِ.

كانا وحدةً في نَفَس اللحظة.

وكذلك كلانا.

هنيئاً له بها حَفَظَتْه في يوميّاتها ورسائلِها.

وهنيئاً لي بكِ أَن تَحفَظيني.

شُكراً لها لأنها كانت "مِيتْراهُ".

وشُكراً لكِ لأنكِ أنتِ.

 *

 

المقدمة

هذه الـ"شَواهد"

يلاحقُني أَم أُلاحقه؟

لحظة جثَمَتْ بي الجامبو، ذاك الصباح من نيسان 1985، لَم يَعنِ لي إعلانُ المضيفة أننا وصلنا إلى مطار جون كيندي في نيويورك، بقدْرِما كنت أَشعر أنني وصلتُ إلى المدينة التي عاش فيها جبران.

وحين بلغتُ مانهاتَن، ودخلتُ مكتب جريدة "الهدى" التي جئتُ أَتولّى رئاسة تَحريرها، وأدركتُ أنه المبنى 34 من الشارع 28 غرباً، انتبهْتُ إلى أنه قريبٌ من المبنى 28 في الشارع 9 غرباً، حيث سكن جبران أول وصوله الى نيويورك في ضيافة صديقه أمين الريحاني، وعلى أمتار منه المبنى 51 في الشارع 10 غرباً، حيث استقرّ جبران في مُحترفه عشرين سنة متواصلة.

ها أنذا إذاً جارُ جبران في نيويورك، ولو بعد 54 عاماً على رحيله، وسأَذوق ما ذاقه فيها وأعيش كما عاش فيها.

جيرة افتراضية، صحيح، لكنها جيرةَ روحانيةٍ صامتةٍ كانت تسري بي كلما تطلّعتُ إلى اللافتة المعدنية التي عليها رقم الشارع عند ناصيته (10 غرباً)، أو كلّما سرتُ في أَيِّ شارعٍ ذي علاقة بِجبران في هذه المدينة التي عاش فيها وتنقَّل عابراً شوارعَ أسفلِ مانهاتن (حي الـ"ڤيلِدْجْ") طوال عشرين عاماً، منذ وصوله إليها سنة 1911 حتى رحيله سنة 1931.

جيرةٌ كان الشعور بها يعيش معي طوال تَجوالي على أماكنه في تلك الإقامة النيويوركية التي كأنها كانت رحلة بحث ميداني عن المناخ المديني الذي عاش فيه، عبر الناس الذين عرفوه أو عايشوا من عرفوه، والأمكنة التي رسمت خارطة حياته.

وطوال إقامتي هناك (1985-1986)، ومنذ اليوم الأول لوصولي إلى مانهاتن، كان يلازمني شعور صامتٌ كلّما مشيتُ في تلك الشوارع، فأَتَخَيَّل على أرصفتها وقْعَ قدَمَين لعبقريّ من لبنان كان يَمشيها قبل سبعة عقود، وأوصلتْه إقامته هنا إلى العالمية فالخلود. 

وغالباً ما كنتُ أتساءل: لو كان أمضى حياته في لبنان، هل كان نال ما نال هنا، وبلغ حيث بلغ هنا؟

غير أن جبران لم يلازمْني فقط وأنا في نيويورك.

طويلاً قبلذاك، في لبنان، كان يعيش معي وأعيش في عالَمه. ولم أكن أدري هل أنا أُلاحقه أم هو من يلاحقني.

ففي مكتبتي جناحٌ خاص به هو الأكبر والأغنى بين جميع الأجنحة في مكتبي، بما يحوي من كتُبٍ عنه وصوَر ومجلات ووثائقَ أعود إليها عند كتابتي نصاً أو حاجتي إلى معلومة.

وعند الاحتفال بخمسينيته فمئويته، كانت لي كتاباتٌ ومتابعاتٌ صدَرَت في أكثر من جريدةٍ ومَجلة وإذاعة وتلفزيون.

وحين طلب مني الصديق فريد سلمان، سنة 1981، وضْع ترجمة باللبنانية لـ"النّبيّ" أوقفتُ كلّ عمل آخر وانصرفتُ إليها حتى أنْجزْتُها، وكان من المقرَّر أن تُصدِرها لجنة جبران الوطنية في طبعة خاصة.

وعند وصولي إلى الولايات المتحدة كان كتابُ النحات خليل جبران "جبران: حياته وأعماله" رفيقي طوال أَشهُر، أَقرأُه وأُعيد قراءته لسَبَبَين: غوصاً على حياة جبران، ومساعدَةً على تَمَكُّني من الإنكليزية - وكنتُ هَجَرتُها زمناً في لبنان فضعُف امتلاكي إياها - حتى أَستعيدها بقراءةٍ أستسيغُها وأُفيدُ منها في آن.

يلاحقني؟ أم أُلاحقُه؟

في الولايات المتحدة جعلتُ دأْبي أن أَزور الأماكن التي سَكَنَها.

زُرْتُ شوارع بوسطن وأحياءَ فيها شهِدَت سنواتِه الأميركيةَ الخمسَ عشرة الأُولى (1895-1910)، وزرتُ مدرسةَ ماري هاسكل في شارع مارلبورو، وكنيسةَ سيّدة الأرز التي سُجِّيَ جثمانُه فيها، والساحةَ التي على اسمه اليوم واللوحة التذكارية فيها، وزُرْتُ النحات خليل جبران وزوجته جين وعندهما عاينتُ نايَ جبران وبعضَ ثيابه ومئاتِ الوثائق التي جمعَها خليل وزوجته طَوال سنواتٍ وشكّلَت مادة كتابه البيوغرافي الشهير.

وفي نيويورك زرتُ الشارعَ الذي كان فيه مُحترفُه، والمستشفى الذي توفي فيه، والأماكنَ التي كان يتردَّد إليها أو هي ذاتُ علاقة بِحياته في أَسفل مانهاتِن، وقصدتُ ساڤانا (جورجيا) زائراً بيتَ ماري هاسكل وقريباً منه مُتحف تِلْفِير الذي أَودَعَتْه ماري لوحات جبران إليها، وقصدتُ نورث كارولاينا وجامعتَها في "تْشاپِّل هِلّ" التي أَمضيت في جناح أرشيڤها الغنيّ ساعاتٍ مُمتعَةً طويلةً أُقلِّب بين يدَيَّ الرسائلَ الأصلية بين جبران وماري ودفاترَ يومياتها الخاصة. وحين انعقد المؤتمر الأول للدراسات الجبرانية في جامعة ميريلِند (1999) كان لي شرفُ أَن يختارني رئيسه البروفسور سهيل بشروئي، باسم الجامعة، مؤسِّساً معاوناً لـ"الاتحاد العالمي للدراسات الجبرانية" لِمنطقة لبنان والشرق الأوسط، ما وطّد علاقتي بجبران على المستوى المهني.

وإلى مشاركاتي وأنشطتي في خمسينية جبران (1981) ومئويته (1983)، جاءت الذكرى 125 لولادته فجعلتُ لها من "مركز التراث اللبناني" في الجامعة اللبنانية الأميركية منبراً لأربع ندوات أضاءت جديداً على نواحٍ مختلفة من أدب جبران وسيرته.

يلاحقني؟ أم أُلاحقه؟

مسيرته الأميركية (1895-1931) طبَعَت حياته وأدبه، وتَجربتي الأميركية طبعَت بي الكثير من معرفتي المناخَ النفسيّ والذهني والعاطفي الذي عاش فيه، ففهمتُ ميدانياً حنينَه إلى لبنان، وطعْمَ الغُربة عن بشرّي ووادي قاديشا، وحُلْمه - كما قال يوماً لِميخائيل نعيمه – أن يزور وادي قاديشا من جديد، وهو الذي، على أيّ حال، أوصى بشراء دير مار سركيس كي تستريح فيه عند غيابه الأخير.

قوياً كان حنينُه إلى أرضه الأُمِّ التي تظهر وهادُها وهضابُها وجبالُها في خلفية عددٍ وافرٍ من لوحاته التي رسمها في صومعته النيويوركية، مع أن نيويورك أَطلقتْهُ، في سنواته السبْع الأخيرة، إلى شهرةٍ ما كان مُمكناً أن يبلغها من أرضه الأُمّ. ولبنانيَّتُه التي لم يتخلَّ عنها حتى وهو في عزّ مَجده الأميركي، جعلته يفتتح فجر أن يكون المبدع مواطناً عالَمياً من لبنان.

من صومعته الصغيرة شَعَّ على العالم الكبير. وفي ما سوى ربع قرنٍ من الزمن: منذ كتابه الأوّل في العربية "نبذة في الموسيقى" (1905) حتى كتابه الأخير في الإنكليزية "آلهة الأرض" (1931)، ملأ زماناً من أدبه لا يزال يتردّد وإلى زمن طويلٍ بعد.

كأنه البحر، كيفما سِرْنا على شاطئ نكاد، في شكلٍ أو في آخَر، نكون على رمالٍ من شاطئ جبران الذي كان طليعةَ التجديد في زمن اللغة العتيقة، وصدارةَ الرؤيا في زمن الرؤية التي كانت تبحث عن جديد.

 

شواهد الناس والأمكنة

هذا الكتاب ليس دراسةً في أدب جبران. الكتابات عنه لا تُحصى، وفي معظم لغات العالم.

وليس استقصاءً بيوغرافياً، بعدما سيرةُ جبران باتت منتشرةً في كل لغةٍ ودراسةٍ وموقع إلكتروني.

إنه رحلةٌ بدأْتُها قبل ربع قرنٍ صوب جبران، مُحاولاً نسْجَ خُيوطٍ في شخصيّته من خلال مَن عاصروه وقابَلْتُهم في الولايات المتحدة خلال إقامتي الأُولى فيها سنة 1985، ورسموا لي ملامح من ذكرياتهم عنه كما عرفوه، ومن خلال الأماكن التي كان يتردَّد إليها، أو ذات العلاقة المباشرة بحياته في بوسطن أو نيويورك.

وبقدْرما كان يُفرحني أن أَسمع من معاصريه ملامح عنه جديدة، كان يُحزنني أَن تَضيع أُخرى مع مَن عرفوه وغابوا ولم يقطُف منهم أحدٌ ملامح أخرى عن شخصيته الغريبة الخاصة ذات التكتُّم الشديد والصمت الطويل.

رحلةٌ خاصة حميمةٌ صوبَ الرجل الكاتب، لا صوب الكاتب وحسْب. لذا لم أُرَكِّز على أدبه دارساً أو ناقداً أو باحثاً أو مُحلِلاً، بل دخلتُ إلى زوايا من عالَمه الخاص الذي نتج عنه، جزئياً أو كلياً، ذاك الأدب وتلك الكتابات، منشورُها أو الباقي مُخططاتٍ ومُسَوَّداتٍ ورسائلَ كان بعضُها، حتى فترةٍ أخيرة، لا يزال مَخطوطاً حتى أَصدرَت لجنة جبران الوطنية قسماً كبيراً منه في كتاب "أُقْلُب الصفحة يا فتى".

يلاحقني؟ أم أُلاحقُه؟

لعلّي اليوم، بإصداري في هذا الكتاب كتاباتي الكثيرة عنه، أَفي ما في بالي من تساؤلٍ إن كنتُ أُلاحقُه كيفما اتّجهتُ شخصياً أو كتابياً، أَم يلاحقني كلَّما دار عنه حديثٌ، أَو حَلَّت مناسبةٌ، أَو انعقد مؤتمرٌ مَحلّيٌّ أو دُوَلِيّ.

هذا الكتاب إذاً، مَجموعُ كتاباتي عن جبران في ربع قرن، كنتُ نشرتُها مقالاتٍ متتاليةً في صُحُفٍ ومَجلاّتٍ، من أمكنة كتابتها: بعضُها في لبنان وبعضها الآخر من الولايات المتحدة التي كان دأْبي فيها أن أَبحث عن جبران في إطار المكان المحدود الذي خرج منه جبران إلى وَسَاعَة الزمان.

صفحاتُ هذا الكتابِ شَهادةٌ على المكان والزمان، وشهاداتٌ من أصدقاء له أو عارفين أو مُهتَمّين غرفوا من بحره أو غاصوا فيه.

إنها هنا شواهدُ الناس والأمكنة.

وما أَهنأَهُ وأَطْوَلَ خلودَه، مَن يبقى بعد غيابِهِ ساكناً في ذاكرة الناس وفي تذكارات الأمكنة.

 

  

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.