3

:: رحمة - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 26/03/2012

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1397

 


 

 

 

 "رحمة" اسم الرواية التي قلبت حياتنا نحن الخمسة، ووضعت رقبة واحد منا في حبل المشنقة، وساقت ثلاثة إلي السجن، وأجبرتني طويلا على التخفي والعيش مطارداً.

 مازلت أذكر كيف بدا الكتاب في تلك الليلة على الضوء الضعيف بالمقهى وبين دخن النرجيلة، مجرد كتاب من القطع المتوسط، بغلاف من ورق خشن مرسوم عليه بلونين أحمر وبني منطفئين شاب وفتاة واقفين بملابس مسدولة محتشمة كتفا إلي كتف يتطلعان إلي كوخ ونهر في الأفق.

 كمال هوالذي جاء بالرواية، وبطبعه الحاد والطاقة العصبية التي تنير وجهه دفع بها إلينا قائلاً: "وجدت كتابا فيه كل ما نريد. الأمل والإرادة والعمل والحب. اقرؤوه". ألقى بالرواية على المنضدة أمامنا وغادر ليسافر إلي واحة سيوه.

 انصرف كمال وترك الكتاب تحت أبصارنا بمظهر اعتيادي مثله مثل أي كتاب. ولم يكن أحد ليظن مهما شطح خياله أن هذا النص الراقد بصمت على سطح المنضدة يضمر تلك المقدرة على ملاحقتنا بالشر دون هوادة ومن غير أن يفلت أحدا؟

 في ذلك الوقت كنا في مطلع حياتنا، شبابا، فقراء، بلا مستقبل، نقضي أغلب أوقاتنا في مقهى بالزاوية الحمراء، تتصاعد أحلامنا أمامنا مع دخان النرجيلة وتتبدد معه في الهواء.

 أثناء غياب كمال قرأ راشد شعبان الرواية، ورجع بها إلينا في اليوم التالي مدهوشاً: "فوق الوصف. لا أدري كيف عثر كمال على كتاب كهذا". وفتح الكتاب على ركبتيه وقرأ سطرا وعقب عليه "نثر لكن موزون"، وأعاد قراءة السطر يزنه على أحد بحور الشعر "أخذت والناس عن يميني.. مستفعلن فاعلن فعولن.. أشدو بحبك يا نور عيني.. مستفعلن فاعلن فعولن". وعلق بقوله "عجيب. ثم انظروا دعوة المؤلف الرائعة إلي حياة بها كل ما نتمنى؟! شاب هو شوقي يحب فتاة هي رحمة، لكن الاثنين يصطدمان بـ...".

وقاطعه مصطفى عبد الحميد منتزعاً الكتاب من يده قائلا": "إذا حكيت ما به فلن نستمتع بقراءته".

 عصر اليوم التالي وجدنا مصطفى في المقهى قبلنا جميعا. وما أن رآنا، ولم نكن قد جلسنا بعد حتى قال "فتحت الكتاب ياجماعة ولم أنهض من مكاني قبل أن أنتهي منه. كنت أبكي عند بعض المقاطع. نعم. بهذه القوة أحببت أنا نادية، لكنها انصاعت لوالديها، أما رحمة فقد شقت طريقها مع شوقي بحياة التقشف والبساطة في الصحراء. كاتب كهذا يا جماعة يقام له تمثال فوق السحب". قرأ مجدي الكتاب في ليلة وقال إنه عمل بديع، وأمعن النظر طويلا إليه كأنما يزنه متسائلاً: "كم تظنون تكلفة طباعة كتاب كهذا؟ لا شيء، والمؤكد أنه عاد على أصحابه بأرباح كبيرة". واقترح "ما رأيكم لو نقيم مشروعا تجاريا نطلق عليه اسم رحمة؟". لم يجد رداً، لأننا اعتدنا منه أن كل الأحداث تقوده إلي التفكير في مشروع ما. تنهد دون أن يفقد الأمل "لو استطاع كل منا أن يدبر مبلغاً ولو ضئيلاً بعدها نعيش حياة العز. صدقوني".

 كنت آخر من قرأ، وكنت الوحيد الذي نجا من السجن والموت.

 حين فرغنا من قراءة "رحمة" استولت على نفوسنا وفتحت في قلوبنا طاقات العشق والأمل. قمنا بشراء عدد محدود من الكتاب لنهدي منه أصدقاءنا. وكثر كلامنا عن "رحمة"، في المقهى، وبينما نحن نتمشى في الشوارع، في بيوتنا، وحتى ونحن نلتهم سندويتشات الفول أمام عربة يد. وكنا كلما تكلمنا عن "رحمة" تمكن منا سحر الحب والكرامة والحياة السعيدة.

 وذات مساء توجهنا إلي مسمط لنأكل لحم رأس، وبعد أن فرغنا وغسلنا أيادينا، أخرج راشد شعبان دفترا صغيرا وضعه على المنضدة ونقر عليه بإصبعه قائلاً: "سجلت هنا زبدة الرواية، جملة مباديء تنظم كل نواحي الحياة بالاعتماد على العمل والإيمان، ولو سرنا عليها لانفتحت أمامنا كل الأبواب الموصدة". كان دفتر راشد أول تفسير للكتاب. التفسير الثاني قدمه كمال عنتر حين قال: "مغزى الرواية أننا لا نفوز بشيء من دون صراع"، وتردد مصطفى طويلاً ثم قال: "أظن أن الرواية تمجيد لعاطفة الحب القوية قبل كل شيء".

 غادرنا المسمط واتجهنا لحضور عرس إحدى قريبات كمال في سراداق بالحارة وكانت أم كمال المريضة حاضرة. وقف كمال بجوارها يربت على كتفها طوال الوقت، بينما لم يرفع مصطفى بصره عن العروس. لم نمكث طويلاً، وما إن غادرنا سرادق العرس حتى قال مصطفى ووجهه مخطوف: "لو أن في الدنيا عدلا لجلست مع نادية في الكوشة والورد حولنا". 

 صادفت الرواية إعجاب زملائي في الكلية،وكان بعضهم يرجع إلي بمديح أو باستفسار، فأرتب له لقاء مع كمال أو راشد. ولم تمض شهور قليلة حتى أظهر البعض استعداده لتقديم تبرعات صغيرة، وأخذنا نشتري عددا أكبر من الكتاب لتوزيعه على الناس في الجامعة والمحلات والمساجد ومحطات المترو. ورحنا نطبع وننشر صور شوقي ورحمة بالملابس المحتشمة وبعض المقتطفات المهمة من الرواية على ورق متوسط الحجم.

 خلال أقل من سنة بدأت بعض المقاهي ومحلات الطعام تتخذ لنفسها أسماء من عبارات بالرواية، وأسعدنا فعلا اكتشاف محل في وسط البلد متخصص في أزياء "رحمة"، أيضا صرنا في بعض الأحيان نصادف شابا جالسا داخل قطار مترو الأنفاق بيده الرواية يحفظ منها فقرة وهو يؤرجح رأسه علي إيقاع كلماتها.

 شعرنا بأهمية ما نقوم به يوما بعد يوم، فهجرنا جلسات المقهى واستأجرنا شقة في أطراف"المرج" لنلتقي فيها بعيدا عن الضوضاء. شرعنا في تنظيم عملنا، ووقعت مسئولية النشاط الطلابي على عاتقي. وأحسست للمرة الأولى أنني وجدت حياة تنتزعني من أفق الحارة المسدود ومن إلحاح والدي لأساعده في ورشته لتصليح السيارات.

 في نهاية ذلك العام زاد تواجدي في الجامعة، وكنت تقريبا كل يوم ألتقي بزملاء جدد وأحدثهم عن "رحمة". عدد كبير منهم أظهر حماسته لدعوتنا، وظل نفر لايبالي، وسألني احدهم باستنكار " كيف يصيبكم كتاب بهذا الهوس وهناك المئات من الكتب والمؤلفين؟ "!. لكني عزيت نفسي بأن "رحمة" لن تحرك في أمثاله وترا لأنه من الطلاب الأثرياء ممن يسرت لهم الحياة كل شيء. ولاحظ والدي انشغالي فقال لي ذات مساء بنبرة توبيخ "ماحكاية رحمة ياباشا؟".

 مع مطلع العام الثاني من نشاطنا بلغنا من أصدقاء أن ثمة من يندس هنا وهناك يسأل عما نفعله وعن أهدافنا وعما ننشده. وأشارت بعض الصحف إلينا في سياق تحقيقات عن الشباب والمجتمع. ثم أجرت جريدة كبرى حوارا مع المؤلف نشرته بالبنط العريض تحت عنوان "مؤلف رحمة يستنكر ما يتم باسمها"، وفيه فاجأنا المؤلف بموقف غريب، فقد كرر بعبارات قاطعة أن روايته رسالة محبة ليس إلا، وأنه يأسف غاية الأسف على أن يؤدي كتابه إلي تشكيل فرق وجماعات لضرب الخارجين على "النص"! وحاول كمال عنتر وراشد أن يقابلا المؤلف بعد ذلك لكنهما لم يتمكنا.

 بعد ثلاثة أيام التقينا نحن الخمسة مساء في شقة المرج. كنا مشحونين بالغضب الممتزج بمرارة الإحباط. من أفواهنا جميعا تدافعت تشتبك في الجو ألفاظ الخشونة والبغضاء، فقد قدرنا أن تصريحات كتلك من مؤلف بذلنا جهدنا لنشر دعوته هي في الحد الأدني جحود ونكران. أكلنا لقمة ونحن في هم وأسف، ثم قال راشد بعد وجوم "كلمات المؤلف خطيرة لأنها قد تفض الناس من حولنا. لابد من إسكاته وإلا تهدم كل ما أقمناه". وقف كمال عنتر يتشظى انفعالا عصبيا وكفه ترتجف يصيح: "إذا توالت تصريحات من هذا النوع فسوف يسألنا الجميع باسم من إذن تتحدثون أنتم؟". مكثنا جالسين في جدل طويل ومضن تطرق لكل ناحية حتى دخل الفجر علينا فاتفقنا على ما سنقوم به. واستمهلنا راشد عدة أيام لكي يشاور الجن الذين سخرهم لخدمته ويطلب المعونة منهم. وعدنا إلي بيوتنا وقد شملتنا كآبة معتمة.

 بعد يومين جاءنا راشد بوجه متهلل قائلاً: "على البركة. لكم التأييد كله". وانقضى أسبوع ونحن في قلق، نقلب الأمر على كافة وجوهه وننتهي إلي نفس القرار.

 ظهر اليوم الذي اعتاد فيه المؤلف أن يقصد صحيفة " الأكوان " وقف كمال على الرصيف أمام مبنى الصحيفة وإلي جواره مصطفى بيده باقة زهور. وجلسنا أنا ومجدي وراشد داخل سيارة ناحية الرصيف المقابل. ثبتنا أبصارنا على زميلينا الاثنين هناك، نحدق إليهما بأعصاب متوترة. كان كمال يشد رقبته لأعلى بحركة عصبية، ومصطفى يتلفت حوله بقلق. مر وقت جف فيه حلقي وصرت بالكاد أرى أمامي، وكانت ركبتا راشد ترتجفان تحت مقود السيارة، وتحجر مجدي حابسا أنفاسه.

 أخيرا ظهر المؤلف. خرج ببطء من باب المبنى يتوكأ على عصا. وللمرة الأولى أرى الكاتب الذي أهدانا أروع النصوص، أدهشني بهيئته المسالمة الوديعة والبسمة الصغيرة الساخرة بأدب جم. ارتخت أعصابي فجأة لحظة لم تدم طويلا، فقد تقدم مصطفى خطوة نحو المؤلف وهو يرفع باقة الزهور لأعلى، وكان لابد لكمال أن يقوم على الفور بما اتفقنا عليه. لكن كمال تجمد على الرصيف، كأنما سلبت منه إرادته بالكامل حتى انشق الهواء عن سكين بيد مصطفى عاجل بها الكاتب بطعنة في رقبته.

 لا أستطيع الآن أن أتذكر أو أفهم المشاعر المتضاربة التي شبت في روحي حين غاب فجأة كل تعبير عن وجه الكاتب ماعدا الحيرة العميقة وهو واقف يتأرجح مكانه لحظة ثم ترنح وأفلتت منه العصا وهوى إلي الأرض بين ذهول المارة. جرى كمال ومصطفى نحونا من دون أن يتطلعا للخلف، ركبا السيارة بسرعة فانطلق بها راشد بعينين محتقنتين يشق بالقوة والتهور طريقا في زحام الشوارع.

 توقفنا بعيدا في أحد الأزقة ومكثنا دقائق ونحن نرتجف من دون أن ينطق أحدنا بحرف، ثم اتفقنا بأقل الكلمات على أن نفترق ويعود كل منا إلي بيته بمفرده، ونلتقى عصر الغد في المقهى علنا ليكون ذلك قرينة براءة.

 رجعت إلي البيت لا أشعر ببدني ولا حتى بقدمي وهما تدبان على الأرض، كأني هواء يرتعد في هواء. كنت مأخوذا بما حدث وبالحيرة العميقة التي لا تجد إجابة على وجه المؤلف.من حقنا أن نحمي حلمنا لكن هل أن ما قمنا به صواب؟ لم أكن واثقا من هذا. لم أنعس دقيقة واحدة طوال الليل حتى لاحت خيوط الفجر على شباك حجرتي فسقطت في خطفات نوم مهلكة.

 خرجت من بيتي عصر اليوم التالي أجرجر بقدمي بدني المهدود قاصدا المقهى، وأنا أشعر أني محموم. مشيت حتى بلغت الميدان وانعطفت إلي زقاق يؤدي ينتهي عند السوق وعند مدخل الشارع الكبير شاهدت الأصدقاء الأربعة بعيدا جالسين يدخنون نرجيلة. وقبل أن أتقدم خطوة انشقت الأرض عن قوة من الشرطة أمسكت بالأربعة ودفعتهم إلي داخل سيارة قريبة. شلتني المفاجأة والخوف وتجمدت مكاني لحظة أوليت بعدها ظهري للمقهي. سرت ببطء حتى أول كشك سجائر فتوقفت أشتري قداحة وأنا أتنصت لزمجرة سيارة الشرطة من خلفي وهي تبتعد. أحصيت ما في جيبي من نقود. كان معي نحو مئة جنيه. لم أرجع إلي بيتي. تجولت في وسط البلد ثم سافرت في الليل على أول قطار إلي الفيوم قاصدا منزل أحد أقاربنا.

 بعد محاكمة سريعة صدر حكم بسجن كمال وراشد ومجدي خمسة عشر عاما لكل منهم، وحكم غيابي بسجني مدة مماثلة، وحكم آخر بإعدام مصطفى. كتبت الصحف في ذلك كثيرا، ونشرت صورة لمصطفى قبل تنفيذ الحكم بيوم وهو داخل الزانزانة مرتميا على طرف سرير صامتا كالموتي. تركت الفيوم في اليوم ذاته إلي الصعيد ونمت أيامي الأولى في مساجد القرى الصغيرة والغيطان حتى وجدت عملا وتمكنت من تزوير بطاقة شخصية فنزحت بعدها إلي الجنوب وهناك تعرفت إلي أسرة طيبة تزوجت ابنتها وفتحت محل بيع أدوات كهربائية بمساعدة أهل زوجتي. ثم أنجبت طفلة وجرفتني الحياة بعدها دون أن تخمد في نفسي قلق السنوات الماضية.

 صباح اليوم وأنا في المحل قرأت في الصحيفة نبأ خروج كمال وراشد ومجدي غدا من سجن طرة وتذكير بما جرى. بخروجهم يسقط الحكم ضدي بالتقادم إلا أن النبأ زلزلني. أغلقت المحل مبكرا واتجهت لبيتي وخاطر واحد يستولي علي أن أستقل قطار الليل لأكون في القاهرة في الفجر فأتجه إلي سجن طرة. أقف بعيدا أتوارى خلف شجرة أو جدار. أتطلع إليهم وأحدق إلي وجوههم. ما الذي أريد أن أراه في عيونهم أو أعرفه منها؟ ماحدث لي؟ أم كيف ينبغي لي أن أشعر الآن؟ الندم؟ الانكسار؟ أم مغزى حياتنا التي أهدرت وراء الحلم؟. أم أنه حنين لعاصفة اقتلعتنا من جذورنا؟. شيء ما يدفعني دفعا للسفر والتحديق من بعيد إلي حياتي دون أن أقترب منها.

 تعشيت بدون نفس مع زوجتي وابنتي وذهبت الاثنتان للنوم. جلست وحدي في الشرفة المفتوحة على الخلاء وقد خيم الليل. أتذكر الرواية التي رقدت بصمت على سطح المنضدة حينذاك وأسأل نفسي كيف أصبح الحلم لعنة؟ أم أن الجن الذين سألناهم المشورة كانوا وهم يظهرون التأييد يستهزءون بنا؟ أم أننا كنا نقاتل دفاعا عن أنفسنا؟. ليتني أدري. هل تمدني وقفتي غدا عند بوابة السجن بالجواب؟.

 تتقد السماء الشاسعة فوقي بالنجوم. وفي هذا الصمت أشعر أن كل ما أريده الآن العزلة العميقة، أن أطفو بين ذرات الكون كأني لاشيء، فلا يراني أحد.

 

***

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.