3

:: الطابق الرابع - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 06/03/2012

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 1072

 


 

 

في الثامنة من عمره. توفي والده فانكسرت زهرة الحنان من أمه. ينام على سرير ضيق ووجهه إلى الحائط يكلم الظلال على الجدار حتى يغمره النعاس. يذهب إلى المدرسة. يلعب على سطح البيت أو في الشارع. يفكر في الطابق الرابع. النزهة الوحيدة في حياته الصعود إلى شقة الجيران، عندهم لا يمدّ يده إلى لقمة لكنه يرى الطعام. لا يتكلم لكن يسمع الضحك. لا يطمئن إلا أن السكينة حوله تشمله، ويغدو صامتاً يتشبع بالنور من حضور فريـال.

الطابق الرابع. لا يصعد إلا بعد أن يتهيّأ. يسرّح شعر رأسه. يشدّ أطراف البنطلون الشورت على فخذيه. يمر بطرف إصبعه مبللاً بريقه على جلد الصندل. وحين يشعر أنه أصبح محاطاً بهالة يخرج ببطء من باب الشقة صاعداً إلى الطابق الرابع. يرتقي الدرج ببطء. مع كل درجة يرتقيها يملؤه أمل. يصل ويجد نفسه أمام الباب فيشعر أنه صبي آخر غير الذي كان. يتمهّل. يهدأ. يسحب نفساً عميقاً ثم يطرق الباب.

في أغلب الأوقات كانت هي التي تفتح له. تنظر إليه بفرحة كأنما رأت كنزاً صغيراً. تجلس القرفصاء عند عتبة الباب المفتوح. تمسك خصره بيديها الاثنتين. تقول له "جئت؟". تغمر وجنتيه وجبينه بقبلات حارة متدافعة. تسحبه من يده إلى داخل الشقة. تصيح في اتجاه المطبخ حيث أمها: "مازن ياماما". يسعده الإعلان عن مجيئه ويشعر أنه صبي آخر.

عادة تجرجره إلى البلكونة التي تطل على صالة سينما صيفى مكشوفة. تجلس على كرسي فوتيه. يقعد على كرسي أمامها. تنحني نحوه. تمسك كفيه الصغيرتين ترجّهما بأصابعها لأعلى وأسفل، ثم تحدّق في عينيه طويلاً بحنان فياض. تسأله بصوت عميق "من تحب؟". تلهب السخونة وجنتيه ويشعر بأن قوة جميلة شطرته نصفين فيتدحرج اسمها من فمه على مقطعين " فر.. يال". تضمه وتحتويه بصدرها وكتفيها الدافئتين: "أنت حبيبي يامازن". بسمة في عينيها وتسأل: "ستحبني دائماً؟ دائماً؟". يهزُّ رأسه أن "نعم" لأنه لا يعرف كلمات لما يشعر به.

 تقول: "خلِّ عينك على الصالة لكي لا تطب ماما علينا فجأة". تخرج سيجارة من جانب الكرسي. تشعلها. يرفع عينيه نحوها كأنما منحه ذنْب التدخين حقَّ تسديد نظرة مباشرة إليها. يتملّى من وجهها المشبع بحرارة الشمس والشباب. يلمح حمالة قميص النوم على منزلق كتفها. تصفّف شعرها خلف أذنها وتتأمله كأنما ضبطته فيما ينكره. تسأله: "عارف أني سأتزوج عما قريب؟". يطرق في صمت. تمسك يديه دون أن تقول شيئاً وتنظر إليه برصانة. تقول: "هذا لازم. فاهم؟". تضغط يديه بين كفيها بقوة. ترتجف كفاه الصغيرتان ودمعٌ يأتي من بعيد، من روحه التي تشبه يمامة بيضاء.

بعد نحو شهر احتفلوا بعرسها على سطح البيت. أضاءت الكلوبات السطح فأصبح الليل كالنهار. وصدحت الأغنيات بصوت مرتفع، وتتابعت أقدام المعازيم على السلالم صاعدة إلى أعلى.

لكنه لم يصعد. ظلّ جالساً وحده في البيت حتى جاءته أختها تقول له: "طنط فريـال تقول لك إطلع". صعد. ومع كل درجة كانت الضوضاء والصيحات المرتفعة تسدّ أذنيه. توقف عند الباب المفتوح على السطح بين أقدام رجال ونسوة ممتلئات. ورآها جالسة في "الكوشة" في فستان أبيض بجوار رجل غريب. لبث مكانه يتطلّع إليها من بعيد، متردداً لا يتقدم. لمحته فوثبت من الكرسي نحوه وفي عينيها الفرحة التي كانت تستقبله بها. انحنت عليه وهمست في أذنه بصوتها العميق معاتبة: "أتتركني يوم زفافي؟". قبضت على كفه وجرجرته. أجلسته على الكرسي بجوارها وأخذت تغمر كتفيه بقبلاتها وتربت على رأسه بحنان.

 اختفت فريـال. ولم يعد ثمة طابق رابع. وخاف إذا سأل عنها أن يظن الآخرون شيئاً. وظلّ يتمتم باسمها مشطورا " فر.. يال " وهو في العشرين، وفي الأربعين، وفي الستين من عمره. انزلق من محبة لمحبة، ومن عطر لعطر، دون أن يفهم ما الذي حدث له في الطابق الرابع.

 

أحمد الخميسي – قاص وصحفي مصري

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.