3

:: رأس الديك الأحمر - قصة قصيرة ::

   
 

التاريخ : 05/03/2012

الكاتب : د. أحمد الخميسي   عدد القراءات : 2173

 


 

 

ضغطت القبضتان جناحيه بقوة إلى جنبيه، فأحالته إلى كتلة مدمجة لا يتحرك منها شيء ماعدا الرأس بعرفه الأحمر ومنقاره يضرب يميناً ويساراً بجنون. اجتهد ليتملّص من القبضتين مهتاجاً بحبِّ البقاء. حثّ جناحيه على الرفرفة دون جدوى. لحظة، هوت بعدها السكين على عنقه بضربة باترة فصلت رأسه عن بدنه. طار الرأس في الهواء مسافة ثم هوى على الأرض، تقلّب متدحرجاً حتى سكنت حركته تحت حافة الثلاجة. راحت العينان الضيقتان اللامعتان تحيطان بالمشهد أمامها، تتابعان خيط الدم على البلاط الأبيض، تلاحقان تخبُّطَ البدن بين قدمين بشريتين راسختين.

دمٌ لم ينزفه الجرح بعد يواصل مسيرته في الدماغ والبدن المفصولين. يحدِّق الرأس مذهولاً في جثمانه وهو ينهض وحده، متحاملاً على مخالبه وساقيه وفخذيه. ينفش ريش صدره ويتقدّم خطوة للأمام من دون رأسه. يتمايل. يضغط على مخالبه ليحفظ توازنه. يتّجه إلى اليمين. يتوقّف مكانه متجمداً. بركة دم صغيرة تتّسع حول مخالبه، وبقايا العنق المقطوعة تتلفّت بالغريزة بحثاً عن طريق.

يرمق الرأس ساقيه ترتجفان. هما ساقاه، وهذا صدره الذي شقّ الهواء فوق سور البيت القديم، والريش البني الأقرب للأحمر ريشه اختال به بعد معاركه مع الديوك الأخرى. يشتعل الرأس رغبة في الزحف إلى بدنه، وحين تغدو الرغبة جارحة من اليأس يرتدُّ إلى ذكرياته: فجرِ القرية التي كانت تفيق على صيحته، هوائها.. حوش البيت الذي كان يلتقط الحبوب من أرضه.. الغيطان المفتوحة خلف السور.. بئر المياه الذي كان يثب إلى حافته.. الدجاجات اللاتي كنَّ يحطن به في نصف قوس في مشيه وفي جثومه حين تعتّم الدنيا.. الزرع الذي يبس فجأة من حوله.. البقرة التي ماتت.. الكلاب التي ضمرت.. اليد القوية التي اختطفته وزجّت به في قفص وساقته إلى مكان بعيد.. منقاره الذي قصُّوه بآلة حادة.. فتات الطعام.. العش الغريب.. الحلم الذي راوده مئات المرات كل مساء أن يستعيد حريته لولا بدنه الذي كان يتردّد ويطوي جناحيه على السلامة في الليل. الآن يتفجّر الجثمان بالمهانة التي اختزنها طويلاً، مهتاجاً ثائراً يفتّش عن منفذ. يخطو بمفرده إلى الأمام. يرتطم كالأعمى بساق سلّمٍ خشبي. يكاد أن يقع. يشدُّ عضلاته ليظلَّ واقفاً. يندفع غير آبه بشيء فيصطدم بماسورة حديدية تحت حوض الماء.

الرأس الملقى تحت حافة الثلاجة يرى المنفذ إلى النجاة. الباب. إذا عبر منه سيستردُّ حريته ووقفته بشموخ. الباب. الباب.

خيوط الدم الأخيرة توشك أن تنهي مسيرتها في الرأس، فيشعر بعطش قاس، بالضعف، بدوار، باختلاط الأفكار والذكريات والرغبات، بحاجة ماسة إلى دفء بدنه وحرارته، بومضات عقله تتباعد وتبهت لحظة بعد أخرى، بالمسافة القصيرة من البلاط الأبيض تغيم بينه وبين بدنه.

فجأة، انفلت البدن من بين القدمين البشريتين. رفرف لأعلى، دار في الهواء دورة عجيبة. ضربت جناحاه بين السقف والأرض. اندفع إلى نافذة مفتوحة وانطلق منها إلي الخارج.

لقد وجد طريقا.

العينان شاخصتان إلى النافذة. لقد نجا! نجا!

كيف لم تخطر النافذة على بالي؟!

إنه أنا من دوني! كيف حدث هذا؟

يخبو لون العرف الناري على البلاط الأبيض، ويحشد الرأس كل ما تبقى من ومض يتسع جناحيه في الهواء البعيد.

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.