3

:: خيانات... في زمن العجائب ::

   
 

التاريخ : 16/02/2012

الكاتب : جوزف أبي ضاهر   عدد القراءات : 1356

 


 

 

بشعةٌ الخيانة، والخائن مرذولٌ مذمومٌ محتقرٌ، منذ أول في التاريخ المعروف.

كان اسمه يهوّذا الإسخريوطي. خان معلّمه، ودلّ عليه طالبي موته لقاء ثلاثين من الفضة، وندم، ساعة ما عاد الندم ينفع.

قاتلة الخيانة، والخائن مقتول مقتول.

في القرن الثامن عشر اتُّهم الملك الفرنسي لويس السادس عشر بالخيانة العظمى. قُطع رأسه... وجاء نابوليون بجاسوس خائن فساعده على احتلال بلاده النمسا لقاء حفنة من المال.

بعد النصر اقترب الخائن من الامبراطور ليصافحه فنهره، ورمى له كيسًا ثانيًا من المال على الأرض.

. «يد الامبراطور لا تصافح الخونة».

... ودار المثل اللاتيني على ألسنة الناس: «يَحتقرُ الخونة حتّى من اكتراهم».

***

كلام على الخيانة والخونة، مقصلة جاهزة لقطع رأس، ودحرجته على التراب.

هكذا نعرفه، ونفهمه عكس ما يفهمه الساسة عندنا، فيرمون به زميلاً خصمًا، اعترض على توجهّهم ومواقفهم وخالفهم رأيًا وعقيدة.

هذا الفريق يتهم بالخيانة ذاك، وذاك يرد الخيانة مضاعفة. كرة نار تتقاذفها الأفواه، بعد شتم وتحقير وتسخيف بأبشع النعوت، فتنتقل من يدٍ إلى يدٍ ولا تسقط على رأس.

الرؤوس غير موجودة لتقع عليها.

بمثل هذه البساطة تتردد عبارة الخيانة، حتّى في النقاشات التي لا تَطلُّ من شباكها على خارج، وتكون محصورة في هموم الناس وشؤونهم الحياتية اليوميّة، والأجدى لو تكون النقاشات حوارات، لا تتحوّل اصطفافات من هذا الفريق مقابل ذاك... فتهدأ النفوس، وتخفت الأصوات فوق الطاولات وتحتها، وأمام الشبابيك وأعين المارة.

***

هذا ضد نظام الشخص الواحد، ليس عندنا. وذاك ضدّ من ثار ورفع صوتًا بعد أن مسح الخوف عن عينيه وعقله. الضدّان تحت مظلّة الخيانة.

هذا يحضّر وعودًا جديدة يرطّب بها أحلام الناس بعودة الكهرباء في تقنين منتظم. وذاك يعدُ بعيش رغيد للعمّال إن ساعدهم حظهم وبقوا على قيد الحياة... وهذا وذاك في دائرة الخوف من الخيانة.

هذا يعد الدفاع عن المرأة ضد العنف الذي تتعرض له في أسرتها، ومن «بعلها» القوي الشكيمة، ومن جميع الرجال الأشاوس، أو الثعالب، في أي مكان تعمل فيه، مصدّقين أنهم «رأس المرأة»، والجسد يتبع الرأس، من طرف أوّل خصلة شعر، ولو بيضاء، حتى آخر ظفر في أخمص القدمين، ولو كانا في خفٍّ من حديد، ومدافعًا يفعل عكس ما يَعد، يخون.

... وبين هذا الوعد القاطع، وذاك الوعد الساطع، ترتفع أصوات التخوين والشتم وأقسى أنواع الإهانات التي تُفسد «أخلاق» غير البالغين الذين يحظّر «التلفاز» عليهم مشاهد قبلةٍ في برنامج، طبعًا، غير البرامج الترفيهيّة المخصّصة لنكاتٍ مصدرها من تحت الوسط ونزول، نكاية بجميع الساخرين الذين ضمتهم الآداب العربيّة والعالميّة إلى لائحة أعلامها الكبار.

***

خيانة، خيانة، خيانات.

لسان حال ساسة من عندنا يتّهمون ويُتّهمون، وتجمعهم غدًا طاولة أطايب واحدة وقهوة عربيّة... وَعَفا العقل عما سمع في أمسهم.

الزمن زمن عجائب وغرائب... وخيانات تُوزّع كما بطاقات التموين في أيام الجوع.

حقًا أن عندنا، وفي دول غير قليلة من هذا الشرق، «الذين استحوا ماتوا»، والذين ما استحوا تربّعوا فوق الأكتاف والرؤوس والكراسي، وأكلوا وما شبعوا، وشربوا وما ارتووا، واستراحوا وما عملوا... وإلى الآن تلاحقهم اللعنات، والشعب مهما طال حلمه، وتردده، سيرجمهم بحجارة خيانتهم إياه، وسيجعل لـ «مُلكهم» نهاية سادوم وعامورة.

 

على الدّرب

المدينةُ تنزلُ في التراب

الترابُ يبتلع المدينة

التراب يمضغ ذاته

زهرًا

شجرًا

أنهارًا وغلالاً.

***

تتشابه الولادات

يتشابه الموت بالموت

تتشابه المدن والتراب.

***

خارجًا

تنظر الحياة إلى جسدها

لن تستطيع التقاط تفاصيله

لكثرةِ ما يتبدّل

لكثرةِ ما يتلوّن.

من يسمع؟

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.