3

:: الصدق مع الذات وتسجيل تاريخ - "محطّات ومواقف من سيرة مهاجر" لجورج هاشم ::

   
 

التاريخ : 06/01/2012

الكاتب : شوقي مسلماني   عدد القراءات : 879

 


 

 

انقضى قرنٌ ونيف على وجود الجالية اللبنانيّة، ثمّ العربيّة بعامّة، في أستراليا. قرن ونيف من الإخفاقات والنجاحات: إجتماعيّاً، إقتصاديّاً،  سياسيّاً، علميّاً، ثقافيّاً. أحسنت الجالية وأساءتْ مثل أي جالية يتألّف منها المجتمع الأسترالي، يجب تثبيت ذلك، حتى لا يكون متعالون أو مهزومون، نعم، الجالية اللبنانيّة والعربيّة في أستراليا عموماً، وفي ولاية نيو ساوث ويلز خصوصاً، حيث التجمهر الأكبر، أخطأتْ وأصابتْ، ولكن في يوم المكاشفة سيتعيّن أن تتقدّم بوثائق، بتسجيلات، ببراهين، وإذا لا وثائق ولا تسجيلات ولا براهين ولا تاريخ فهل ذلك يعني إنّ الجالية موجودة؟ هذا ما يريد أن يتداركه الأستاذ جورج هاشم في كتابه "محطّات ومواقف من سيرة مهاجر" أن يتدارك كما تدارك قبله البعض من أبناء الجالية، ومنهم الصديق الأستاذ بطرس عنداري في كتابه "كي لا ننسى" فلا يُقال إن هذه الجالية الكبيرة المحترمة هي "شبِّه لكم" فهي لا تاريخ لها، وإذا كان لها وجود فهو من نوع ما تلفّظ به ظالماً مفوَّض الشرطة بيتر راين أنّ الجالية اللبنانيّة، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، هي دنيا الجريمة، وكان للأستاذ هاشم في حينه شرف الشجاعة، هو ومجموعة من المخلصين أفراداً وجمعيّات ومؤسّسات، لرفع دعوى قدح وذمّ بحقّ رأس أعلى سلطة أمنيّة. 

أراد جورج هاشم أن يدلي بدلوه، بتسجيل حيّز من تاريخ الجالية، بأسلوب ينهل من أدب السيرة الذاتيّة الذي يقوم على تجربة الفرد في مجتمعه وحياته، وتدوينها بأمانة وصدق. وهكذا تتوالى صفحات كتاب "محطّات ومواقف من سيرة مهاجر" ناضحة بتاريخ فرد، ومن خلال هذا الفرد ذاته ناضحة بتاريخ جالية فقدتْ وطنَها الأوّل يوم فقدتْ فيه أمنها وسلامها، جالية أغلبها من أصول ريفيّة معظم حظّها من العاصمة في الوطن الأم هو الفتات، جالية وسط بحر من الشعور بالغربة، على رغم سعة صدر الوطن الثاني أستراليا، تحاول أن يكون لها موطئ قدم تحت الشمس، جالية تتعرّف إلى ذاتها الجديدة وهويّتها الجديدة، جالية فيها العاقل الذي يردّد مع الإمام الشافعي، على ما يذهب الأستاذ جورج في كتابه: "كلّما ادّبني الدهر أراني ضعف عقلي وإذا ما ازددتُ علماً زادني علماً بجهلي" وقد صدق الإمام الشافعي وصدق الأستاذ هاشم بنقله عنه. وفيها الجاهل المغرور حيث كما يقول جورج محاكياً المتنبّي أشهر العرب في الشعر: "الخيل والليل والأنخاب تعرفني والكيف يا حيف لا رمحٌ ولا قلم". جالية تعجّ بالمتناقضات، وخصوصاً تلك التي ورثتْها مكرَهة، وبصبرٍ ودأب، على رغم العثرات، تكافح للتخلّص من إرثها العقيم في القرويّة والمناطقيّة والجهويّة والعنصريّة والمذهبيّة والطائفيّة. 

وأجدني أجانب الحقّ إذا لم أذكر تلك الروح النبيل التي تقود الأستاذ جورج هاشم وهو يخطّ سيرته في أستراليا، فيذكر أفعالاً كريمة لأصحاب ضمائر حرّة وأيادي بيضاء، ويثني على الفعل والفاعل، ويستكره ويستنكر أعمالاً بغيضه لأصحاب ضمائر ميّتة وأيادي يابسة، ويشهِّر بهذه الأعمال متجاوزاً عن عمّالها، فليس هنا تسوية حسابات ضيّقة، بل الهدف الأسمى أي الخير لهذه الجالية فتتمسّك بالطيّب، تتمثّله، وتمارسه، وتنأى عن الشرّ والسيء. فيما منارة المستقبل عند الكاتب هي واحد أحد: "الصدق مع الذات" فلا تطوّر ولا تقدّم من دون الصدق مع الذات، والذي من دونه أيضاً يستنقع الإنسان فلا هِمّة ولا نخوة بل هو مرائي، فكيف تنهض جالية بمن فيه داء الخبث مثلاً؟ ويقول جورج في كتابه أن المصاب بالداء الخبيث يمكن أن نعالجه، ولكن لا علاج لمن داؤه الخبث. أو كيف تنهض الجالية بمن هو على شكل ما يقول الشاعر ويردّده الكاتب: "فنذل الرجال كنذل النبا ت لا للثمار ولا للحطب". 

ومن طرائف الأستاذ جورج هاشم في كتابه الظريف تصدّي الشاعر الزجلي الراحل رامز عبيد لأحد الصحفيين المدّعين في سيدني الذي كان قبل عصر الكومبيوتر والإنترنت يجمع الصحف والمجلاّت اللبنانيّة والعربيّة و"يقصّ" منها ما يريد من أخبار ومقالات وتحقيقات، وبالغراء يلصقها بصحيفته المحليّة، ويقول، على الرغم، إنّه ألمعي الصحافة المهجريّة في أستراليا، فيقول له الراحل الشاعر عبيد: "ما دام في عندك غري ومقص تحيا الصحافي الإنت ريّسها". ويعمل الأستاذ كامل المرّ، رئيس رابطة إحياء التراث العربي، سنة كاملة في مجلّة طريق الجالية التي يُشرف عليها ويوفّر تمويلها التجمّع الثقافي والأستاذ جورج هاشم ذاته، سنة كاملة والأستاذ المرّ يُجاهد في سبيل الكلمة، وكلّما حان موعد أن يقبض معاشه يمرّ عليه صديقه جورج ويسلّم عليه ويشدّ على يديه ويقول له باسماً: "يعطيك العافيه يا أبا هشام" ويخرج. وأخيراً وليس آخراً تنقسم جمعيّة تنّورين بين من يريد إرسال التبرّعات المجموعة لبناء قبّة الكنيسة في تنّورين الفوقا وبين من يريد توجيه التبرّعات ذاتها دعماً للمستوصف، وكان الكاتب جورج هاشم من حزب دعم المستوصف، والأكثر جهراً بدعمه هذا، فوقف له أحد حزب قبّة الكنيسة وقال له: "بكرا لمّا بتموت خلّيهم يجنّزوك بالمستوصف"! فجاوبه جورج قائلاً له ومن العيار ذاته: "بكرا لمّا بتفكش رقبتك خلّيهم يجبّرولك ياها على قبّة الكنيسه"!.

كتاب "محطّات ومواقف من سيرة مهاجر" هو قصّة مهاجر لبناني إلى أستراليا تتداخل معها قصّة جالية آمالها كبيرة في أن تكون عضواً ناجحاً في نادي أستراليا المتعدّدة الثقافات، هو كتاب في الحلو والمرّ، في الأمل واليأس، في حياة تريد أن تعيش بكرامة. كتاب في النخوة والشجاعة والصالح العام والتضحية العالية والصدق مع الذات وإحياء جالية وتسجيل تاريخ فلا يضيع.

 

               Shawki1@optusnet.com.au

 

 

 

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.