3

:: "محور مائل" مجموعة لشوقي مسلماني الشعرية - الشيء وضده ::

   
 

التاريخ : 06/10/2011

الكاتب : عناية جابر   عدد القراءات : 830

 


 

 

في "محور مائل" الجديد الشعري لشوقي مسلماني عن "الغاوون" تدهشنا رؤية شاعر يقف بعنف، بكل قواه، ضد كل ما يشكل قصيدة التفاصيل.

عمل يمثل تمرداً هائلاً لكائن غير متكيّف مع عالمه، ومجاهد عنيف في نفس الوقت، لخلق عالم آخر لنفسه، على مقاس أحلامه. "محور مائل" يستمد شاعره قوانينه الأدبية من نفسه، ويطبق على الفور، رؤيته الشعرية الخاصة.

قصيدة النثر التي سبق ان اكدت على جوهرها الفردي والفوضوي، تقدّم في عمل مسلماني، الشكل الأدبي لتمرد شاعر ضد الثوابت ـ دائما الشيء وضده ـ بلغة مختلفة تترجم العالم. في السطور صرخات يأس وإقرار بهزيمة ما، وفيها الصمت والموت. مناخ عن عالم مغلق، غير قابل للاختراق، لكن يمتلك منطقة الخاص، ووحدته، وقوانينه الحيوية.

الجانب الهدام في "محور مائل" هو هذه الرقّة المتوحشة التي سيترك شوقي مسلماني نفسه لها: "حتى الكلاب إذا رأته عابراً/ نبحت عليه وكشرت أنيابها"، قيل ان بعضه أقبل مشرقاً/ وبعضه آفلاً معتماً/ قيل ان بعضه اختنق صوته/ امحى أثره/ وها هو منه حجر/ قيل ان بعضه وحده/ قيل انه على مسافة مئات ملايين الاميال من كوكبنا يصطاد بقصبة من ضوء تنهيدة في النهر اليابس/ قيل ان بعضه عند قمة جبل... لكي يطلع الفجر مطمئناً يقف شامخاً كتمثال/ قيل ان شجرة تفاح سرقت تفاحته الوحيدة".

الواقع ان بعضاً من "أناشيد" مسلماني، يمكن قراءتها كميل خاص لمزاج الشاعر، يمنحنا الإحساس بضيق شبيه بذلك الذي نشعر به عند قراءة تراجيديات قديمة. وإذا كان من غير الممكن انكار الجانب التهكمي والساخر في بعض المواقع لدى مسلماني، فمن المدهش ان نلاحظ ان نزعة السخرية الهدامة لا تسيء هنا الى اصالة العمل، فبدونها لن يكون لـ"محور مائل" القوة الشعرية وإمكانية التأثير فينا بعمق. ولا شك ان ذلك يطرح مشكلة معرفة كيف يمكن لهذا البعد السلبي في متن الأفكار، ان يتعايش مع خلق عالم شعري، عالم غامض لكنه مخترق بالاشراقات. وكيف يمكن لقوة التهكم العقيمة ألا تصيب ذائقة المتلقي بالتعب، بل هي على النقيض تشع تعبيراً عن ارتعاشات حيوية فياضة؟

الجنون الفعال

في عمل شوقي مسلماني، علينا الذهاب في ما يبدو، الى أبعد من هذا التناقض الظاهري، وعلينا القبول بما يدعى الجنون الفعال، للشاعر وقصائده. ثمة أيضاً دينامية العمل هذه، وحقيقة انه في أساسه، هجاء للعالم، تفسر ان الشكل الخاص الذي تتخذه القصائد. لن يكون من الخطأ أيضاً، وجود نوع من السرد في القصيدة، وقد يستمر في بعض القصائد، على امتدادها. ولن يكون خطأ آخر، اعتبار "محور مائل" مجموعة قصائد نثر، مقطعة شعرياً، بطريقة مستقلة، تترك، وتستعيد، وتحول الموضوعات المختلفة، على نحو يحقق مناخاً، او تبريراً للاستمرار من مقطع شعري الى آخر، والاستطراد المستمر ـ رغم هذا ـ من أوّل نشيد الى الأخير. ثمة اذن في مجموعة مسلماني، حدث متتابع بحلقات مختلفة، وهي رغم شكلها الخارجي المتنافر أحياناً، ليست متروكة بشكل مطلق، للصدفة. هناك منطق ما، وضرورة ما تنحو الى ان تجعل، لا كل قصيدة فحسب، بل كل سطر في المجموعة، كلاً متكاملاً.


"رأيته يرى المساحة الخضراء

رأيته يرى المساحة الرمادية

رأيته لا يرى المساحة

رأيته تحت المساحة

رأيته يحرث ويبذر في المساحة

رأيته يحب ويرى الزهور والورود ويصغي الى شدو الطيور عند المساحة رأيته هو الكل".


إنه خلق عالم فانتازي، هنا العنصر الذي يجعل من السطور شعراً بأكثر من كونها سرداً لما هو واقعي. فلا علاقة للشاعر برصد الواقع مثلما لا علاقة له برصد الطبائع. في المشاهد التي تقترب من ان تكون روائية نشعر كقراء على الفور بأننا "مغتربون"، ومنقادون خارج عالمنا المألوف. فانتازيا تتمثل في ادخال الخليط، والتراكب بين عالمين، فمسلماني ماهر في فن قلب العالم الحقيقي، الذي يرفعه ويشقه، ضغط جمال غير مرئي.

هذا المسعى الشديد الخصوصية الذي يقود قصائد مسلماني، من رومانتيكية معتدلة الى حد ما ومتوقعة، الى فوضى جامحة لا تخشى ان تهدم، كي تؤكد بشكل أفضل فرديتها، هو ما يفسر الانتقال من قصيدة النثر، التي لا تزال شديدة الأدبية، الى انفلات متفجّر، لكنه إرادي، حرّ، وجذاب.

 

 

 
   
 

التعليقات : 0

 

   
 

.